الاخبار
   أنشطة الجمعية
   
أنشطة دائمة
   
أنشطة موسمية
   
دورات الحاسب الآلى
   
الحالات الانسانية
   
رمضان كريم
   
سيكولوجية النمو والنمو النفسي للعاديين وغير العاديين ج 1
   
       اقرأ ... استفد
   
سيكولوجية النمو والنمو النفسي للعاديين وغير العاديين ج 3
   
احدث دورات مركز ابداع للتدريب والتطوير
   
احدث انشطة مركز ابداع للتدريب والتطوير
   
احدث دورات مركز ابداع للتدريب والتطوير
   
علم النفس الارشادى والعلاج النفسى ج1
   
علم النفس الارشادى والعلاج النفسى ج2
   
حملة التبرع لضحايا احداث ميدان التحرير من ابناء مصر
   
تابع حملة التبرع لضحايا احداث ميدان التحرير من ابناء مصر
   
حملة التبرع بالبطاطين لغير القادرين
   
أنشطة وشركاء المركز
   
انجازات ومشاركات
   
صيف عام 2008
   
الطفل علاء وسعد الدين عاجل جدا جدا
   الرسائل الدورية
   سجل الزوار
 ( ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )
 معرض ملابس العيد للمزيد
 كارثة اهالى الدويقة للمزيد
 المهرجان الإبداعي الأول للشباب للمزيد
 نجاح مهرجان بني سويف الأول للنجاح للمزيد
 تعلم معنا تقنيات البرمجة اللغوية العصبية للمزيد
 برنامج تنمية المهارات التسويقية للمزيد
 ابدأ معنا دورات الحاسب الآلى للمزيد
أشترك في قائمة الرسائل الدورية:-
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
أنشطة الجمعية

أنشطة الجمعية  »  سيكولوجية النمو والنمو النفسي للعاديين وغير العاديين ج 1.

سيكولوجية النمو والنمو النفسي للعاديين

وغير العاديين

 

 

 

 

دكتور علي سليمان

 

 

مركز إبداع للتدريب والتطوير

WWW.MASREYA.ORG

                          2008 - 2009

 

 

الباب الأول

أهمية دراسة النمو

بعد دراسة هذا المقرر تتوفر لدى الدارس المعارف التالية الخاصة بمدى أهمية دراسة موضوع علم نفس النمو بالنسبة لهم كمعلمين ومرشدين وآباء ومربيين

أنشطة مقترحة :

-       أكتب عن مدى الاستفادة التى تحققها لك دراسة هذا المقرر فى المرحلة التعليمية التى تعمل بها.

-       أكتب عن التطبيقات التربوية المستفادة من دراستك لهذا المقرر فى مجال تربيتك لأبنائك كأب او كأم .

-   من دراستك للعوامل المختلفة النى تؤثر فى النمو النفسي والنمو العام للانسان ، ما الفائدة التي تعتقد أنها مهمة بالنسبة لك عند اختيار شريك الحياة .

تساعد دراسة النمو الآباء والأمهات على رعاية أبنائهم في ظهر الغيب ثم جنينا فوليدا فرضيعا ثم طفلا صغيرا في احدى دورالحضانة أو مؤسسات الرعاية, كما تساعد المعلمين بالمدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية على أداء رسالتهم على أكمل وجه في ضوء معرفتهم لطبيعة المتعلم الذي يتقدم في العمر أى فى مراحل السعي والرشد والأشد ، بل وتساعد المعلم نفسه كما تساعد الآباء والأمهات على أن يفهم كل منهم ذاته ويفهم متطلبات النمو ومعاييره . وتساعد هذه الدراسة الأنسان فى مراحل نموه المتقدمة على أن يفهم أن لنفسه عليه حقا ، ولجسده عليه حقا ولعقله عليه حقا وبذلك يستطيع أن يحقق هدفه فى الحياه بما يحقق زيادة قدراته على مواجهة الضغوط وتحسين نوعية الحياة .

ودراسة النمو تفيد هؤلاء جميعا في معرفة خصائص النمو في كل مرحلة حتى يتمكنوا من فهم الأطفال الذين يتعاملون معهم.( الجنين - الوليد – الرضيع – الفطيم – الطفولة المبكرة – الطفولة المتوسطة – الطفولة المتأخرة – السعي المبكرة – السعي المتوسطة والمتأخرة – الرشد – الأشد – النضج الجسمي والنفسي والاجتماعي – الأربعين سنة وما بعدها – الاتجاه نحو التقدم في العمر واكتمال الخبرة  - الاقتراب من مرحلة المسن – مرحلة الستين " التقاعد" – التقدم في العمر " الشيخوخة" – أرذل العمر " قمة التدهور" – نهاية الحياة ) 

ويمكن تحديد أهمية دراسة النمو في النقاط الآتية :

1 – من الناحية النظرية :

تفيد دراسة النمو في معرفة الطبيعة الإنسانية وفهمها فهما أفضل وتساعد على دراسة ومعرفة العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية والاجتماعية, وتفيد دراسة النمو أيضاً في تحديد معايير النمو في كافة مظاهره وذلك بإستخدام القياس النفسي والعقلي الذي يقوم أساسا على إستخدام الإختبارات الموضوعية المقننة التى يمكن بواسطتها تحديد كل من :

·         معايير النمو الجسمي وأبعاده .

·         معايير النمو العقلي بمتغيراته .

·         معايير النمو الإنفعالى والوجدانى .

·         معايير النمو الاجتماعى والتواصل .

 

وبتحديد تلك المعايير ومطابقتها لمظاهر النمو المختلفة فى الأعمار المختلفة حتى يمكن مقارنة نمو أى شخص في ضوئها , وتحديد ما إذا كان نموه يسير بمعدله الطبيعي من النواحي الجسمية والعقلية والإنفعالية والنفسية والإجتماعية – أم أن هناك تأخر في نموه من أى ناحية من هذه النواحي .

2- من الناحية التطبيقية :

تفيد دراسة النمو المهتمين بدراسة الطفل ورعايته كما تفيد الأباء والأمهات فيما يلي :

أ‌-  توجيه الأطفال واليافعين : عن طريق معرفة معدل نمو الأطفال في جوانب النمو المختلفة نحو المهنة أو الدراسة الملائمة لمستوى نضج الطفل الجسمي والعقلي والإنفعالى  والإجتماعى حتى لا يواجه هذا الطفل إحباطات نتيجة فشله في أداء العمل , أو في النجاح في الدراسة إذا كانت غير ملائمة لنموه الجسمي أو العقلي أو لا تتفق مع ميوله وإتجاهاته .

ب‌-  قياس مظاهر النمو المختلفة بمقاييس علمية :

وهنا تجدر الإشارة إلى أن دراسة النمو وتحديد معاييره جسميا وعقليا وإنفعاليا وإجتماعيا قد ساعد الباحثين في مجال القياس النفسي على أن يصمموا المقاييس النفسية الملائمة لكل جانب من جوانب النمو في كل مرحلة من مراحله , وتساعد هذه المقاييس في معرفة ما إذا كان هناك شذوذا ما في أى من النواحي عن المعيار العادي وذلك في ضوء الثقافة السائدة في المجتمع .

 

3- بالنسبة للدارسين :

تساعد دراسة النمو المدرسين بدور الحضانة والمدارس الإبتدائية والإعدادية والثانوية :

أ‌-  في معرفة خصائص نمو الأطفال والعوامل التى تؤثر في أساليب سلوكهم وطرق توافقاتهم مع البيئة ويساعد ذلك في بناء المناهج وطرق التدريس وإعداد الوسائل التعليمية التي تساعد على تحقيق أهداف التربية .

ب‌- تساعد على فهم النمو العقلي ونمو الذكاء والقدرات الخاصة والاستعدادات وأنماط التفكير المختلفة وكذلك التذكر والتخيل والتحصيل المدرسي , ويؤدى ذلك إلى أن يتبع المعلم أفضل الطرق التربوية التي تناسب مرحلة النمو ومستوى النضج في التدريس والتعليم, في معرفة الفروق الفردية بين التلاميذ في ضوء دراسة خلفياتهم قبل الإلتحاق بالمدرسة , ويفيد ذلك في طرق التدريس وكذلك في إعداد الكتب  وتصميم المقررات والمناهج الدراسية وكذلك في تفسير سلوك هؤلاء التلاميذ والعمل على تعديله إذا تطلب الأمر ذلك .

 

  

                             الفصل الأول

موضوع علم نفس النمو

 

بعض دراسة هذا الفصل يحصل الطالب المعارف التالية :-

1-   قضية الانسان والطاقة الكونية .

2-   قضية الهدم والبناء فى حياة الأنسان .

3- التعرف على مسار النمو ومنحنى النمو الذى يبدأ بصفر التكوين (الصفر الأول) وينتهى بصفر الموت (الصفر الثانى) .

علم النفس هو العلم الذي يدرس  سلوك الكائن الحي وما وراء هذا السلوك من عمليات عقلية ودافعية وديناميكية , دراسة علمية يمكن على أساسها فهم وضبط السلوك والتنبؤ به والتخطيط له.

والسلوك هو كل ما يصدر عن الكائن الحي من أفعال , مثل المشى والكلام وتناول الأكل والتفكير وشرود الذهن ....الخ .

والنموعبارة عن سلسلة متتابعة من التغيرات آلتي تهدف إلى اكتمال نضج الكائن الحي , والنمو بهذا المعنى لا يحدث فجأة ولكنه يتطور بانتظام على خطوات متلاحقة, وللنمو مظهران رئيسيان هما :

1-النمو التكويني  : ونقصد به نمو الفرد في الحجم والشكل والوزن والتكوين .

2-النمو الوظيفي : ونقصد به نمو الوظائف الجسمية والعقلية والإنفعالية  والإجتماعية لتساير تطور حياة الفرد وأنماط بيئته .

تعريف علم نفس النمو:

هو ذلك الفرع من فروع العلم الذي يبحث في خصائص ومعايير نمو الأفراد من النواحى الجسمية والعقلية والإنفعالية  والاجتماعية.ويمكن القول بأن علم نفس النمو هو تطبيق الأسس والنظريات النفسية في مجال دراسة النمو الإنساني, ويتفق العلماء على أن علم نفس النمو هو تطبيق الأسس والنظريات النفسية في مجال دراسة النمو الإنساني . ويتفق العلماء على أن علم نفس النمو هو ذلك الفرع من فروع علم  النفس الذي يهتم بدراسة الظواهر النفسية المصاحبة لنمو الفرد منذ صفر التكوين الذي يمثل لحظة الإخصاب مروراً بحمله وولادته , وخلال جميع مراحل نموه , بهدف الكشف عن التغيرات الحادثة في جميع جوانب الحياة جسميا وفسيولوجيا ,وعقليا وانفعاليا واجتماعيا من مرحلة إلى أخرى .

هذا ويهدف هذا العلم أيضاً إلى معرفة أوقات حدوث التغيرات السابق ذكرها , والعوامل المؤثرة فيها , كما يحاول تحديد معايير النمو في جوانبه المختلفة  بالإضافة إلى تحديد مطالب هذا النمو في المراحل العمرية المختلفة , حتى يمكن تحقيق النمو المتكامل للفرد .

وتتحدد الاهتمامات التي تشغل العلماء في هذا الميدان بالأسئلة التالية  :

1-   ماهى طبيعة التغير الذي يطرأ على  الإنسان أثناء النمو ؟

2-  ما هو التنظيم الذي تسير في   إطاره حياة  الإنسان في دورتها الكلية؟

3-  ماهى الخصائص المميزة للنمو في كل مرحلة من مراحل الحياة؟

4-  مالذى نتوقعه من الفرد في كل مرحلة من مراحل الحياة؟

5-  ماهى درجة الاتساق والتناغم في التغير من مرحلة إلى أخرى في حياه الفرد؟

6-  ماهى درجة العمومية والتمايز في شخصية الفرد في مراحل حياته المختلفة؟

7-  ماذا يمكن أن نقدمه للانسان حتى يفهم مسيرة حياته ويتجنب مشاعر القلق أو الخوف من المستقبل؟

8-  ما الذي يمكن أن تقدمه دراستنا لسلوك الفرد النامي في فهم نمونا الذاتي؟

9-  ماهى العوامل والمتغيرات التي تؤثر في النمو الإنساني للفرد طول حياته؟

10-  ما الذي يمكن أن تقدمه دراسة النمو لمواجهة حاجات  الإنسان في الحاضر  والمستقبل؟

وقد حاول علماء النفس الإجابة على بعض هذه الأسئلة طوال السنوات الماضية من القرن العشرين . ومنذ نشأة علم نفس النمو وفى كل مرحلة من مراحل نموه . ظهرت بعض الاهتمامات واختفت أخرى. فعندما ظهر هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر كان يركز على فترات عمرية محددة وليس على المدى الكلى للحياة كما هو الحال الآن . فقد انصبت الاهتمامات المبكرة على أطفال  المدارس , ثم انتقل الإهتمام إلى سنوات ما قبل المدرسة , ثم إلى من المهد ( الوليد والرضيع) , فمرحلة الجنين ( مرحلة ما قبل الولادة) .

وفى أوائل عشرينات القرن الماضى بدأت البحوث حول المراهقة (مرحلة السعى) في الظهور والانتشار . وخلال الثلاثينات من نفس القرن ظهرت بعض الدراسات حول الرشد المبكر , حيث تركزت على قضايا معينة مثل ذكاء الراشدين وسمات شخصياتهم .ومما يذكر أنه لم تتجاوز بحوث سيكولوجية النمو السنوات الخمس والعشرين  الأولى من حياة  الإنسان , أهملت السنوات التالية  واستمر ذلك الوضع حتى منتصف ثلاثينات القرن العشرين. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية إزداد الإهتمام تدريجيا بالرشد , وقد واكب ذلك زيادة الإهتمام بحركة تعليم الكبار . أما الإهتمام بالمسنين فلم يظهر بشكل واضح إلا في الستينات من القرن الماضى ,وكان  السبب في ذلك الزيادة السريعة في عددهم ونسبتهم في الإحصاءات السكانية العامة . وما تطلب ذلك من دراسة لمشكلاتهم وتحديد أنواع الخدمات التي يجب أن تقدم إليهم .

ويرجع الإهتمام بدراسات النمو إلى ما يلي :

1- الحاجة إلى حل المشكلات الفعلية :

من الدوافع الهامة التي وجهت البحث في مجال علم نفس النمو وجود مشكلات فعلية مع الرغبة في حل هذه المشكلات  التي يعانى منها الأفراد في مرحلة عمرية معينة . فنجد أن بحوث الطفولة بدأت أصلا للتغلب على الصعوبات التربوية والتعليمية لتلاميذ المدرسة الإبتدائية , ثم اهتمت بالمشكلات المرتبطة بطرق تنشئة الأطفال بصفة عامة . كما أن البحث في مرحلة المهد كان مدفوعا بالرغبة في معرفة ما لدى الوليد من استعدادات يولد مزودا بها . أما البحث في مرحلة الرشد فقد كان مدفوعا إلى دراسة المشكلات العملية المتصلة بالتوافق الزوجي واثر تهدم الأسرة على الطفل

2- الصعوبات المنهجية في دراسة مراحل نمو الإنسان:

 على الرغم من الإهتمام بدراسة المراحل المختلفة لدورة الحياة , إلا أن البحث في بعض هذه المراحل واجه العديد من الصعوبات المنهجية .مثل الحصول على عينات البحث والتى كانت أسهل في حالة تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات . كما أن بعض الاتجاهات الو الدية تؤثر في سير البحث في بعض المراحل . وبالإضافة إلى ذلك فإن الحصول على المعلومات من الراشدين من الصعوبة  بمكان . وتزداد هذه الصعوبة مع تقدم  الإنسان في السن .

*أهداف سيكولوجية النمو:

يمكن القول أن لسيكولوجية النمو هدفين أساسيين هما:

1- الوصف الدقيق للعمليات النفسية عند الناس في مختلف أعمارهم واكتشاف خصائص التغير الذي يطرأ على هذه العمليات في كل عمر.

2- ترتيب هذه الحقائق في أنماط وصفيه . وهذه الأنماط قد تكون متأنية في مرحلة معينة , أو متتابعة عبر المراحل العمرية المختلفة .

2- تفسير التغيرات السلوكية:

الهدف الثاني لعلم نفس النمو هو التعمق فيما وراء الأنماط السلوكية التي نلاحظها , والبحث عن أسباب حدوثها.

والتفسير يعين الباحث على تعليل الظواهر من خلال الإجابة على سؤال : لماذا؟ بينما الوصف يجيب على السؤال : ماذا ؟ وكيف ؟

وعلى الرغم من أن وصف إتجاهات النمو كان هو الهدف السائد في هذا الميدان لسنوات طويلة فإن البحوث الحالية  تركز على الهدف الثاني وهو تفسير التغيرات السلوكية التي نلاحظها مع تقدم  الإنسان في العمر فنسأل أسئلة مثل : لماذا يتخلف الطفل في المشى أو يكون أكثر  طلاقة في الكلام , أو أكثر  قدرة على حل المشكلات المعقدة بتقدمه في العمر والى أى حد ترجع هذه التغيرات إلى " الفطرة" والى أى حد ترجع إلى " الخبرة" أى التعلم واستثارة البيئة ؟

والإجابة على مثل هذه الأسئلة تتطلب من الباحث أن يتوجه ببحثه وجهة تفسيرية . ويسير ذلك في اتجاهين أحدهما يجيب على السؤال لماذا تبدأ سلسلة سلوكية معينة في النمو؟ وثانيهما لماذا تستمر هذه السلوكية في النمو؟ وعادة ما تبدأ الإجابة بتقصى الدور النسبي للفطرة (الوراثة) والخبرة ( البيئية) .

فمثلا إذا كان الأطفال المتقدمون في الكلام في عمر معين يختلفون وراثيا عن المتخلفين نسبيا فيه نستنتج من هذا أن معدل التغير في اليسر اللغوي يعتمد على الوراثة . أما إذا كشفت البحوث عن أن الأطفال المتقدمين في الكلام يتلقون تشجيعا أكثر  على إنجازهم اللغوي ويمارسون الكلام أكثر  من غيرهم فإننا نستنتج أن التحسن في القدرة اللغوية الحادث مع التقدم في العمر يرجع – جزئيا على الأقل – إلى الزيادة في الاستثارة وفى ممارسة الكلام .

من الواجب علينا لتفسير ظواهر النمو أن نستخدم المعارف المتراكمة في ميادين كثيرة أخرى من ميادين علم النفس وغيره من العلوم مثل نتائج البحوث في مجالات التعلم والإدراك والدافعية وعلم النفس الإجتماعى وسيكولوجية الشخصية والوراثة وعلم وظائف الأعضاء والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع .ومن الواضح أن الفهم الشمولي لسيكولوجية النمو والتغيرات النمائية والميكانيزمات والعمليات المحددة لها تتضمن تكامل أنواع عديدة من البيانات التي نحصل عليها من مصادر معرفيه متعددة .

وحتى يمكننا الحكم على نتائج البحوث التي أجريت في ميدان النمو يجب أن نميز دائما ما بين الوصف والتفسير , فالظواهر يجب أن توصف قبل أن تفسر , ولكن الوصف في حد ذاته لا يعطينا تعليلا يوضح لماذا تحدث الظاهرة أو يشرح العوامل أو المحددات التي تؤثر فيها .

3 – التحكم في التغيرات السلوكية :

الهدف الثالث من أهداف الدراسة العملية لنمو السلوك الإنساني هو السعي نحو التحكم فيه حتى يمكن ضبطه وتوجيهه والتنبؤ به . ولا يمكن أن يصل العلم إلى تحقيق هذا الهدف إلا بعد أن وصف جيد لظواهره وتفسير دقيق لها من خلال تحديد العوامل المؤثرة فيها.  لنفرض أن البحث العلمي أكد لنا أن التاريخ التربوي بما فيه من خبرات سالبة للطفل يؤدى به إلى أن يصبح بطيئا في عمله المدرسي , ثائرا وعنيفا في علاقاته مع الأفراد . أن هذا التفسير يفيد في أغراض العلاج  من خلال تصحيح نتائج الخبرات السالبة , والتدريب على المهارات الإجتماعية .

ولعل هذا الهدف يقودنا إلى مهمة أساسية وضرورية للنمو , وهى مهمة الرعاية والمساعدة بهدف التوجيه والتحكم والضبط لسلوك  الإنسان فالمتخصص في علم نفس النمو يريد أن يقدم المعونة للجميع ,وهو لا يستطيع ذلك إلا إذا توافر له من الفهم من خلال الوصف والقدرة على التعليل من خلال التفسير ما يمكنه من اقتراح نوع الرعاية المناسبة ,  يشترك فيها المتخصص في علم نفس النمو مع ملايين غيره من الآباء  والأمهات والمعلمون والأطباء والأخصائيون والاجتماعيون والدعاة والوعاظ والإعلاميون .ومهمة علم نفس النمو أن يقدم لهؤلاء وغيرهم الفهم الواضح والتعليل الدقيق لظواهر النمو الإنساني خلال دورة الحياة كلها حتى تسير الرعاية في الإتجاه الصحيح وتكون أكثر جدوى .

 

 

الفصل الثانى

النمو والعوامل المؤثرة فيه

 

مبادئ النمو :

يخضع النمو لعدة مبادئ أساسية , ودراسة هذه المبادئ هامة بالنسبة للآباء والمربين حتى يسهل عليهم التعاون مع الإتجاه الطبيعي للنمو بدلا من العمل في إتجاه مضاد له. وتفيد دراسة هذه المبادئ في عملية التربية وتوجيه السلوك والتنبؤ به كما تفيد في العلاج والإرشاد النفسي . وفيما يلي عرض موجز لهذه المبادئ العامة :

1- النمو يسير في مراحل :

إن عملية النمو هي عملية متصلة لأن حياة الفرد تكون وحدة واحدة , إلا أن هذا النمو يمكن أن يقسم إلى مراحل  يتميز كل منها بخصائص وسمات واضحة , وحيث أن هذه المراحل متداخلة فإنه من الصعب تحديد بداية ونهاية كل مرحلة , ولكن الفروق بين المراحل المتتالية  تكون واضحة إذا قارنا بين منتصف كل مرحلة والمرحلة السابقة والمراحل اللاحقة , وعموما فإن كل مرحلة من مراحل النمو لها خصائصها الخاصة فلا يمكن أن نتعامل مع الطفل على أنه رجل صغير كما لايمكن التعامل مع الرجل على أنه طفل كبير فلكل سيكولوجيته الخاصة التي تميزه عن الآخر.

2- سرعة النمو ليست مطردة :

معدلات النمو تختلف من مرحلة إلى مرحلة أخرى فمرحلة ما قبل الميلاد تتميز بأعلى معدلات النمو وتبطئ سرعة النمو بعد الميلاد إلا انها تظل سريعة في مرحلتي الرضاعة والطفولة المبكرة . ثم تبطئ أكثر في سنوات العمر التالية  ثم تستقر سرعة النمو نسبيا في الطفولة الوسطى والمتأخرة , أى أن معدلات النمو ليست واحدة في جميع المراحل ,هذا  بالإضافة إلى معدل النمو إلا أن معدل النمو يختلف في الفرد نفسه في النواحي المختلفة للنمو .

3- لكل مرحلة من مراحل النمو مظاهر وسمات مميزة لها :

ونستفيد من ذلك في تحديد معايير النمو الجسمي والعقلي والإنفعالى والإجتماعى  , وهو يربط  بين كل من سيكولوجية النمو والصحة النفسية والعلاج النفسي والتوجيه والإرشاد النفسي .وتعتبر هذه المعايير مرجعا ينسب إليه سلوك الفرد وتحسب بالنسبة له نسب النمو المختلفة .

ويحسب العمر العقلي للأطفال بمتوسط أداء جميع الأطفال في سن معينة في اختبارات الذكاء.

 

4- النمو عملية مستمرة :

النمو عملية مستمرة منذ بدء الحمل حتى بلوغ تمام النضج وكل مرحلة من مراحل النمو تتوقف على ما قبلها وتؤثر فيما بعدها , ويوجد نمو كامن ونمو ظاهر ونمو بطئ ونمو سريع إلى أن يكتمل النضج .

هذا النمو المستمر يشمل التغيرات الكمية أى الزيادة في الوزن والحجم والتغيرات الكيفية أى النفسية والوظيفية .

5- الفرد ينمو نموا داخليا كليا :

ينمو الفرد من الداخل وليس من الخارج ويستجيب ككائن كلى ومصدر النمو هو الفرد نفسه وسلوك  الإنسان ليس أمرا بسيطا يسهل عزله ودراسته .

أي أن الفرد ينمو ككل في مظهره الخارجي العام , وينمو داخليا تبعا لنمو أعضائه المختلفة .

6- النمو يتأثر بالظروف الداخلية والخارجية :

يتأثر النمو بظروف  داخلية   وهى الظروف الوراثية التي تحدد مظاهر النمو الجسمي والعقلي , ويتحكم في هذه العملية إفرازات الغدد المختلفة فنقص إفرازات الغدة الدرقية كما نعلم قد يؤدى إلى الضعف العقلي . والظروف الخارجية التي تؤثر في النمو هي الظروف البيئية مثل التغذية والمناخ والنشاط العقلي الذي يتاح للطفل وأساليب التربية والثقافة .

7- المظاهر المختلفة للنمو تسير بسرعات مختلفة :

يختلف معدل النمو من مظهر إلى آخر من مظاهر النمو ولا تنمو جميع الأعضاء بسرعة واحدة فالجمجمة تنمو سريعا في مرحلة ما قبل الميلاد ثم تقل السرعة بعد الميلاد , والمخ يصل إلى حجمه الطبيعي ما بين سن 6-8 سنوات بينما يظل نمو أعضاء التناسل بطيئا طول فترة الطفولة.

8-  النمو يسير من العام إلى الخاص :

يسير النمو من العام إلى الخاص ومن الكل إلى الجزء فيستجيب الفرد في بادئ  الأمر إستجابة عامة ثم تتخصص هذه الإستجابة وتصبح أكثر  دقة , فالطفل لكي يصل إلى شئ يأكله فإنه يتحرك بكل جسمه في بادئ  الأمر , ثم باليدين ثم بيد واحدة وهكذا .

9- يمكن التنبؤ بالاتجاه العام للنمو :

من أهم أهداف دراسة علم النفس التنبؤ بالسلوك وإمكانية ضبطه والتحكم فيه فإذا تساوت الظروف الأخرى     فإنه من الممكن عن طريق الملاحظة الدقيقة والتشخيص , والتنبؤ بالخطوط العريضة لاتجاه النمو وتستخدم في سبيل ذلك الإختبارات والمقاييس النفسية المقننة معايير النمو المختلفة لكل مراحل النمو المختلفة .

 

10-      النمو عملية معقدة وجميع مظاهره متداخلة :

نمو الإنسان عام ومعقد والمظاهر الجزئية فيه متداخلة ومرتبطة فلا يمكن فهم أى مظهر من مظاهر النمو إلا عن طريق دراسته في علاقاته مع المظاهر الأخرى     .

فالنمو الانفعالي مثلا يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمو العقلي والجسمي والإجتماعى  فإذا تساوت الظروف الأخرى فإن الطفل الذي يتجاوز نموه الانفعالي المتوسط العام يميل إلى أن يكون كذلك من حيث النمو الجسمي والعقلي والإجتماعى  وعلى ذلك فإننا يجب أن ننظر إلى الفرد على إنه جزء لا يتجزأ وأن الفصل في مظاهر نموه لا يتم إلا لأغراض الدراسة فقط .

11-      الفروق الفردية في النمو :

يختلف نمو الأفراد من حيث الكم ويتوزع الأفراد من حيث مظاهر النمو المختلفة توزيعا اعتداليا فالأغلبية تنتشر حول المتوسط ويعتبرون عاديين أما الذين يوجدوا في الأطراف سواء بالزيادة أم النقصان فيعتبرون شواذا أو متطرفين .

وعموما فإن مواعيد النمو تختلف من فرد إلى آخر , كما أن معدل النمو يختلف من طفل إلى آخر , كما يختلف الأولاد عن البنات فيما يتعلق بمعدل النمو , فبالنسبة للوزن مثلا نلاحظ أن الأولاد يتفوقون على البنات في سرعة النمو في السنوات  الأولى من العمر , أما خلال السنوات  الأولى من المرحلة الإبتدائية فيكون هناك تشابه في الوزن بين الجنسين ثم يزداد وزن البنات عن البنين فيما بين التاسعة والرابعة عشر كما أن الفروق الفردية بين أبناء أطفال  الجنس الواحد تكون واضحة في كل مظهر من مظاهر النمو المختلفة .

12- يسير النمو في إتجاهات محددة تتمثل في :

أ/ الاتجاه من الرأس إلى القدم .

ب /الاتجاه من الوسط إلى الأطراف .

ج /الإتجاه من العام إلى الخاص .

العوامل التي تؤثر في النمو :

هناك عوامل عديدة تؤثر في النمو الطبيعي للطفل , بعض هذه العوامل ترجع إلى أنواع بيئية ويرجع البعض الآخر إلى أنواع وراثية عضوية ويمكن تلخيص أهم هذه العوامل فيما يلي :

1-العوامل البيئية :

تؤثر العوامل البيئية تأثيراً بالغا في النمو الطبيعي للطفل فالغذاء مثلا يساعده على النمو وبناء خلايا جسمه المختلفة ويمده بالطاقة التي تساعد على القيام بنواحي النشاط المختلفة .كما أن البيئة الإجتماعية الثقافية تؤثر على الفرد بسبب اتصال أمور حياته بالمحيطين به مثل أبويه وأخوته ثم زملائه في الدراسة ورفاقه . كما أن التعليم المدرسي الذي يقود نمو الطفل ويوجهه لتحقيق غاياته في النمو الطبيعي يستمد أهدافه من أهداف المجتمع الذي يعيش فيه الطفل .

ومن العوامل البيئية الهامة التي تؤثر في نمو الطفل ما يلي :

1-         الغذاء والحالة الصحية العامة .

2-         المستوى الإجتماعى والثقافي للأسرة .

3-         علاقة الطفل بأسرته كما تتمثل في إشباعاته الجسمية والنفسية .

4-         ترتيب الطفل بين إخواته .

5-         علاقة الطفل بالثقافة السائدة في بيئته .

6-         أعمار الوالدان .

7-         التعلم الذي يتعرض له .

2-العوامل الوراثية والعضوية :

الوراثة هي التي تنقل الصفات الجسمية إلى الفرد من والديه وأجداده وسلالته التي انحدر منها وتؤثر العوامل الوراثية تأثيراً بالغا في التكوين العضوي للفرد ووظائف بعض أعضائه الداخلية وخاصة الغدد الصماء التي تفرز هرمونات تؤثر في جميع مظاهر النمو المختلفة ومن العوامل الوراثية والعضوية التي تؤثر في نمو الطفل ما يلي :

1-         العوامل التي تؤثر في ناقلات الوراثة ( الجينات ) .

2-         ناقلات الوراثة السائدة والمتنحية .

3-         الغدد :

ا- الغدد القنوية مثل : ا) الغدد الدمعية

                      ب) الغدد العرقية

ب-   الغدد الصماء

1.    الغدة الصنوبرية .

2.  الغدة الدرقية .

3.  جارات الغدة الدرقية .

4.  التيموسية .

5.  الغدة الكظرية .

6.  الغدة التناسلية .

وعند تناول هذه العوامل بشيء من التفصيل فستتضح لنا أهمية كل عامل من هذه العوامل ومدى تأثيره في النمو الطبيعي للطفل .

أولا : العوامل البيئية :

تسهم البيئة في تشكيل شخصية الطفل النامي وذلك لأنها تشمل جميع النواحي المادية والثقافية كما تحدد أنماط سلوك الطفل تجاه مواقف الحياة وتؤثر البيئة بدرجة كبيرة في النمو المعرفي والإنفعالى  والإجتماعى  للأطفال , وكلما كانت البيئة صالحة ومزودة بالإمكانيات كلما ساعد ذلك على اضطراد النمو في الإتجاه المرغوب فيه من النواحي الجسمية المعرفية والإنفعالية  والإجتماعية .

ومن العوامل البيئية ما يلي :

1- الغذاء :

يساعد الغذاء على نمو الفرد وبناء خلايا جسمه وتعويض خلاياه التالفة وإعطاء الجسم الطاقة اللازمة له

ويؤدى نقص الغذاء إلى تأخير النمو وقد يؤدى إلى إمراض خاصة مثل لين العظام والعشى الليلي  بالإضافة إلى أنه يقلل من مقاومة الفرد للأمراض .

أما سوء التغذية فقد يؤدى إلى نفس نتائج النقص في الغذاء وينتشر كل من  نقص وسوء التغذية في المجتمعات المتخلفة وفى فترات الحروب ويؤثر إلى حد كبير في قدرات الأفراد التحصيلية والأدائية .

هذا وتتأثر شهية الفرد للغذاء بالنواحي الإنفعالية  كما تؤثر الانفعالات في عملية هضم الطعام فتعطل إلى حد كبير معدل انتقال  الغذاء في الجسم ومدى تمثيله وبالتالي على استفادة الجسم من الغذاء ويؤدى الإفراط في الغذاء إلى نتائج ضارة بالجسم لا تقل خطورة عن تلك التي يؤدى إليها كل من نقص وسوء التغذية .

2- المستوى الإجتماعى والثقافي للأسرة :

يؤثر المستوى الإجتماعى والثقافي للأسرة في نمو الطفل . إذ أن الأسرة ذات المستوى الإجتماعى والثقافي المرتفع يكون لديها الوعي الصحي والغذائي الذي يساعد الطفل على الحصول على كل احتياجات جسمه ويساعد على تحقيق مطالب النمو المتكامل له .

أما انخفاض المستوى الإجتماعى والثقافي للأسرة يكسب هذه الأسرة عادات غذائية سيئة فلا يكون فيها إهتمام بالبروتين الحيواني وبالفيتامينات اللازمة لنمو الجسم ويكون الإهتمام منصبا على النشويات فالإمكانيات العادية وحدها بدون وعى صحي ووعى غذائي لا تساعد على تحقيق النمو المتكامل للطفل والملاحظ أن كثيرا من إمراض سوء التغذية خصوصا نقص البروتين تنتشر في الأوساط الإجتماعية المنخفضة أكثر  منها في المستويات الإجتماعية والثقافية المرتفعة .

- علاقة الطفل بأسرته :

تبدأ حياة الطفل بعلاقة عضوية تربطه بأمه تقوم على  إشباع حاجاته الأولية كالطعام والشراب والنوم والراحة ويصاحب هذه العلاقة إشباعات نفسية كالأمن والمحبة , ثم تطور كل منها إلى علاقات أساسية تربط الطفل بأبويه وبإخوته ثم ينشئ الطفل علاقات تصل بينه وبين زملائه وأصدقائه تساعد على الاتصال بالمجتمع الذي يعيش فيه ومن الملاحظ أن علاقة الطفل بأبويه وبإخوته تترك أثرها فى حياته نظراً لأن الأسرة هي الخلية الإجتماعية  الأولى التى ترعى الفرد وهى تشتمل على أقوى المؤثرات التي تواجه نمو الطفل هذا  بالإضافة إلى أن فترة طفولة الإنسان تعتبر من أطول فترات الطفولة لأي كائن من الكائنات مما يزيد من أهمية تأثير الأسرة على النمو الطبيعي للطفل .

4- ترتيب الطفل الميلادي بين أخوته:

يتأثر نمو الطفل بترتيبه الميلادي في الأسرة , وبذلك تختلف سرعة نمو الطفل الأول عن سرعة نمو أخوته الآخرين , وذلك لأن الأطفال الذين يولدون بعده يقلدونه  بالإضافة إلى خبرة الأم المكتسبة من تربية الطفل الأول والملاحظ أن النمو اللغوي يعتمد أساسا على تقليد الأطفال الصغارلاخوتهم الكبار وذويهم .

5- علاقة الطفل بالثقافة:

يتأثر الطفل بالثقافة التي تهيمن على حياة الأسرة فيأخذ منها العادات والتقاليد ومعايير الأخلاق والأساطير والخرافات .

وكما أن الفرد يتأثر بثقافة المجتمع فإنه يؤثر أيضاً فيها وعلى هذا فالثقافة هي نتاج تفاعل المجتمع وأفراده.

ومن المعروف أيضاً أن العادات الغذائية والصحية تؤثر تأثيرا بالغا في نمو الطفل .

6- أعمار الوالدين:

يتأثر نمو الطفل بأعمار الوالدين وخاصة عمر الأم فإذا كانت الأم في مقتبل حياتها وخاليه  من الأمراض فإن أطفالها يكونوا أصحاء كما أن نموهم يكون طبيعيا , أما إذا كانت الأم في عمر متقدم فإن حالتها الصحية تتأثر ويتأثر تبعا لذلك الطفل بل ويدعى بعض العلماء أن الأطفال الذين يولدون من زوجين في سن الشباب يعيشون أطول من الأطفال الذين يولدون من زوجين يقتربان من سن الشيخوخة.

7- التعليم الذي يتعرض له الطفل :

يقصد بالتعليم ذلك التعديل الذي يحدث في السلوك وحيث أننا نعلن أن الأطفال يتعلمون الجديد من السلوك بصفة دائمة لذلك فإن عملية التعلم تتضمن الخبرات الجديدة التي يتدرب عليها الطفل وتجعله يقوم بالنشاط الذي قد ينتج عنه اكتساب العمليات المعرفية كالتخيل والتذكر والإدراك والتفكير كما يصاحب ذلك اكتساب الطفل للاتجاهات والقيم , وتساعد مهارات التدريب في نمو وتشكيل شخصيته , وتلعب التربية دورا هاما في هذا المجال .

 

ثانيا : العوامل الوراثية والعضوية:

للوراثة دور هام في معرفة خصائص النمو منذ اللحظة التي يتم فيها الإخصاب إذ أن الخلية الواحدة التي تبدأ بها الحياة تحمل 23 زوجا من الكرومزومات مقسم إلى عدد كبير من الموروثات (الجينات) وهى التي تميز كل فرد عن الآخرين من حيث الطول والقصر والوزن ولون الشعر والبشرة والعينين والحساسية الإنفعالية  , وتؤثر الجينات في بعضها البعض وتتأثر بالمجال الذي تنشأ فيه .

وتعمل الوراثة على المحافظة على الصفات العامة للنوع , وذلك بنقل هذه الصفات من جيل لآخر فالقط لا يلد إلا قطا والإنسان لا يلد إلا إنسانا وتعمل الوراثة أيضاً على المحافظة على الصفات العامة لكل سلالة , ويكون للأب والأم معا أثر في صفات الطفل .

وعلى ذلك فإن الوراثة تحافظ على الخواص التي تميز كل نوع من الكائنات الحية عن الأنواع الأخرى     , وتعد الوراثة أيضاً من أهم العوامل المؤثرة على الصفات الجسمية والتكوينية بالنسبة لمظاهر الجسم الخارجية وبالنسبة لعمليات الجسم  الداخلية  ( الوظائف الفسيولوجية) .

وتشير دراسات الانثروبولوجي إلى أن صفات الجسم وتكوين أعضائه يخضع أيضاً للظروف الجغرافية التي تعيش فيها السلالة التي انحدر منها فالمعروف مثلا أن الأنف الأطول والأدق يشيع في الدول الباردة حيث يكون السطح الداخلي له كبير وتنتشر فيه شعيرات دموية كثيرة تساعد على تدفئة الهواء أثناء التنفس لحماية الفرد من النزلات الشعبية , في الوقت الذي يشيع  فيه الأنف القصير والمفرطح في الدول الحارة حيث يكون السطح الداخلي له صغير ومن ثم تقل الشعيرات الدموية لعدم حاجة الأنف إلى تدفئة الهواء لأنه أصلا يتسم بالدفء وينطبق نفس الكلام على لون الجلد ونوع الشعر حيث يشيع اللون الفاتح للجلد في البلاد الباردة ويكثر اللون الداكن والشعر الخشن في البلاد الحارة لمواجهة آثار أشعة الشمس الحارقة .

1-الغدد القنوية:

تقوم هذه الغدد بجمع المواد الأولية من الدم حين مروره بها وتخلط هذه المواد مع بعضها ثم تفرزها خلال قنواتها.

ومثال لهذا النوع من الغدد الغدد الدمعية التي تجمع من الدم والماء وبعض الأملاح المعدنية ثم تخلطها معا لتكون الدموع , مثال آخر الغدد العرقية التي تقوم بوظيفة مماثلة لوظيفة الغدد الدمعية ,  بالإضافة إلى أنواع أخرى من الغدد القنوية التي تنقل الإنزيمات في عمليات الهضم والمواد الكربوهيدراتية , والعصارة الصفراوية لهضم الدهون على التوالي .

 

 

3- الغدد الصماء :

للغدد الصماء وإفرازاتها تأثيرات واضحة في عملية النمو , ومن أهم الغدد الصماء التي تؤثر في سرعة النمو في السنوات  الأولى في حياة الطفل : الدرقية والصنوبرية والنخامية والتيموسية وفيما يلي عرض موجز لكل من هذه الغدد :

(أ‌)    الغدد الدرقية:

 توجد هذه الغدة أسفل الرقبة أمام القصبة الهوائية وتفرز هرمون يسمى الثيروكسين وهو مركب يمكن تكوينه بإضافة اليود إلى اللبن , والسمك من أغنى المصادر التي يكون منها الجسم هذا الهرمون ويؤثر هذا الهرمون في النمو الجسمي والعقلي للفرد والنقص في إفراز هذا الهرمون قبل البلوغ يسبب نقص الطول وتأخر في المشى والكلام والضعف العقلي .

أما النقص في إفراز هذا الهرمون بعد البلوغ يؤدى إلى سقوط الشعر وبطء نبضات القلب .

والزيادة في إفراز هذا الهرمون قبل البلوغ تؤدى إلى زيادة معدل النمو عن معدله الطبيعي , أما الزيادة في إفراز هذا الهرمون بعد البلوغ فلأنه يؤدى إلى سرعة نبضات القلب وحساسية إنفعالية  شديدة فيصبح الشخص دائم الانفعال وسريع الاستثارة سهل الاستفزاز .

جارات الغدد الدرقية:

وهى عبارة عن أربعة فصوص موجودة حول الغدة الدرقية ووظيفتها ضبط نسبة الفسفور والكالسيوم في الدم , والنقص في إفرازات هذه الفصوص يؤدى إلى الشعور بالضيق مع صداع حاد وخمول عقلي وثورات إنفعالية  عنيفة وصراخ حاد لأتفه الأسباب .

(ب) الغدد الصنوبرية :

توجد هذه الغدد أعلى المخ وتضمر قبل البلوغ ووظيفة هرمونات هذه الغدد السيطرة على الغدد التناسلية وتعطيلها عن القيام بنشاطها في سن مبكر وقبل سن البلوغ والاختلاف في إفرازات هذه الغدد من هرمونات قد يسبب ظهور الصفات الثانوية للمراهقة عند الطفل , وقد يؤدى زيادة إفرازات هذه الغدد إلى موت الطفل .

 (ج) الغدد النخامية:

تتكون هذه الغدد من نصفين وتتدلى من السطح   الأعلى للمخ في منتصف الرأس وتفرز هذه الغدد العديد من الهرمونات فيفرز الفص  الأمامي حوالي 12 هرمونا ويفرز الفص الخلفي هرمونيين , وهرمون النمو أحد الهرمونات التي يفرزها الفص الأمامي للغده النخامية . هذا الهرمون هو الذي يهمنا في مجال دراستنا الحالية :

فإذا حدث أى نقص في هرمون النمو قبل البلوغ فإنه يؤثر على النمو الجسمي والجنسي للطفل , فقد يصبح الطفل قزما أو تضعف قواه العقلية وقواه التناسلية أو قد يسبب انعدام القوى التناسلية للفرد.

وإذا كان إفراز هذا الهرمون أكثر  من اللازم فإنه يؤدى إلى نمو سريع شاذ للجذع والأطراف  ويصبح الفرد أطول  من اللازم أى مصابا بمرض الطول ويحدث نتيجة لذلك ضعف عقلي للفرد وكذلك ضعف لقواه التناسلية .

 (د) الغدد التيموسية:

تتكون هذه الغدد من فصين وتوجد في تجويف الصدر وتضمر قبل البلوغ مثل الغدة الصنوبرية , والضعف الذي يصيب الغدة التيموسية يؤدى إلى تأخر في ضمور الغدة الصنوبرية وهى بذلك تشبه في وظيفتها الغدة الصنوبرية في إفرازاتها قد يؤدى إلى ضعف عقلي وتأخر في المشى حتى سن الرابعة .

(ه) الغدة الكظرية :

توجد غدتان كل منهما تقع فوق كلية  الإنسان وتقع على الجزء العلوي للكلية وتتكون كل غدة من قشرة خارجية ولب داخلي وتفرز القشرة الخارجية هرمونات كثيرة أما اللب الداخلي فيفرز هرمون الادرينالين

1- هرمونات القشرة:

هي عبارة عن عدد من الهرمونات تساعد الفرد على المثابرة ومواصله بذل الجهد ومقاومة الجهد ومقاومة العدوى , والنقص في هذه الهرمونات يؤدى إلى هبوط عام في حيوية الفرد جسميا وعقليا وزيادة النقص في هذه الهرمونات قد يؤدى إلى إصابة الفرد بالأنيميا وضعف  القوى التناسلية والعقلية .وتؤدى زيادة هرمونات القشرة إلى زيادة معدل النمو الجنسي وتأخر معدل النمو العقلي كما يسبب زيادتها إلى سرعة نمو العظام والأسنان ويؤثر على حساسية الفرد فتجعله يثور لأتفه الأسباب.

2- هرمون اللب الداخلي :

يسمى هرمون اللب الداخلي لهذه الغدة بالأدرينالين الذي يؤثر في النمو تأثيرا جوهريا , والنقص في الأدرينالين يؤثر تأثيرا سيئا على نمو الفرد ويؤدى إلى إصابته بحالات مرضية .

 

 

 

الفصل الثالث

بعض القضايا الخلافية في علم نفس النمو

 

توجد في ميدان سيكولوجية النمو مجموعة من القضايا الخلافية نعرض لها , لأهميتها في توجيه كل من النظرية والممارسة في هذا الفرع من فروع علم النفس :

1-      الفطرة والخبرة في النمو الإنساني:

يرتبط مفهوم الفطرة ارتباطا وثيقا بالوراثة , كما يرتبط مفهوم الخبرة بالبيئة , والوراثة مفهوم له دلالته البيولوجية المباشرة ويرتبط بالخصائص البنائية العضوية أو الجسمية .

توصل العلماء من دراسة السلوك إلى أن الخصائص البنائية العضوية لها أهميتها في النمو الإنساني لأنها تضع لنا ال  إطار الذي يمكن أن ننمى فيه السلوك . كما أن  لأى نمط من أنماط السلوك بعض الأعضاء والعضلات والمراكز العصبية التي تعد شروطا أساسية لحدوث السلوك .

ومن هنا يمكن القول أن خصائص بنائية عضوية معينة تعد شرطا ضروريا إلا إنها ليست شرطا كافيا لنمو أحد أنماط السلوك .وبعبارة أخرى فإن توافر جميع المتطلبات البنائية العضوية السابقة لا يعنى في ذاته ظهور سلوك معين أو نموه ,  كما أن ذلك لا يعنى أن عدم وجود نمط معين  من السلوك يدل على نقص البنية العضوية . وبالمثل فإن التغيرات السلوكية لا تعنى بالضرورة وجود تغيرات بنائية عضوية . ويستثنى من ذلك  حالات المرض العضوي والنفسي . وهكذا يمكن القول بصفة عامة أن الخصائص البنائية لمعظم الأشخاص الأسوياء تسمح بالتغير والاختلاف في نمو السلوك وتنميته .

ومعظم الخلط والغموض واختلاف وجهات النظر الذي شاع في الحوار الذي يدور في مختلف الأروقة حول دور الوراثة ( الفطرة) في السلوك الإنساني أن هو إلا نتيجة للفشل وعدم القدرة على التمييز بين الخصائص السلوكية ( وهى خصائص وظيفية ) والخصائص البنائية العضوية ومعنى هذا أن العوامل الوراثية لا يمكن أن تؤثر في السلوك بصورة مباشرة . وانما يكون أثرها بطريقة غير مباشرة من خلال الأجهزة العضوية في  الإنسان . وهنا نصل إلى سؤال هام هو : كيف تؤثر الخصائص البنائية في نمو السلوك ؟ وتتطلب الإجابة على هذا السؤال فحص مدى الارتباط بين خصائص السلوك وشروط البني الجسمية مثل الإضطرابات الغددية والخلل الذي يصيب المخ والتركيب الكيمائي للدم .

وحين تؤكد نتائج البحوث أن شرطا بنائيا معينا يرتبط بخاصية سلوكية معينة ما , فإن السؤال الجوهري هنا هو مدى تأثير  الوراثة في هذه الخاصية ؟ ويمكن تتبع الشرط البنائى حتى يتأكد الباحث من وجود أو عدم وجود أحد الجينات أو المورثات .  كما أن هذا الشرط البنائى ذاته يمكن أن  ينشأ من خصائص فيزيائية أو من المورثات . كما أن هذا الشرط البنائى ذاته يمكن أن  ينشأ من خصائص فيزيائية أو كيمائية في رحم الأم ( البيئة الرحمية) أو من الإصابات التي تحدث أثناء الولادة أو غيرها من العوامل "البيئية " . وإذا كان مفهوم الوراثة يسهل تحديده – بيولوجيا على الأقل- فإن مفهوم البيئة يصعب تعريفه بالرغم من شيوعه , فالمعنى الشائع للبيئة يشير إلى الإستخدام الجغرافي أو ما يتصل بالمكان . إلا أن هذا الإستخدام ليس كافيا من الوجهة السيكولوجية .  فلا يعنى وجود شخصين في " مكان " واحد أن بيئتهما " النفسية" واحدة  , حتى لو كانا طفلين شقيقين ربيا معا في نفس البيت . بل الأكثر من ذلك حتى لو كانا توأما متطابقا ناهيك عن التوأم غير المتطابقة .

ويمكن تعريف البيئة النفسية بأنها مجموع الاستثارات التي يتلقاها الفرد منذ لحظة إخصاب البويضة في رحم الأم حتى وفاته , مع ملاحظة أن مجرد الوجود الفيزيائي للأشياء لا يؤلف في ذاته البيئة , وإنما لابد أن تقوم هذه  الأشياء  بدور " المثيرات" للفرد . ويتسع التعريف ليشمل ما هو أكثر  من البيئة بمعناها الشائع . متضمنا كل صور الاستثارة , كما يمتد إلى دورة الحياة كلها  . وبهذا المعنى يصنف علماء نفس النمو البيئة إلى قسمين أساسيين هما :

البيئة الرحمية وتشمل تغذية الأم وعلاجها وتناولها المواد الضارة ( كالسجائر والكحول) وإفرازاتها الغدية , والأمراض التي تصاب بها وغير ذلك من الشروط الجسمية التي تؤثر في الجنين , كما أن  الإحساس النفسي للام الحامل بالقلق والضيق والحزن والأسى  والغضب يؤثر في جنينها تأثيرا ضارا وينشأ هذا  الإحساس عند الأم عادة نتيجة العلاقات الإجتماعية وبذلك يكون الجنين غير معزول عن بيئة أمه الإجتماعية .

بعد ميلاد الطفل يواجه الطفل بيئة ما بعد الولادة التي تتألف من مواقف أو سلاسل من المثيرات  سواء فيزيائية أم اجتماعية , ولعل أهم هذه البيئات على التوالي بيئة المنزل لطفل ما قبل المدرسة , وبيئة المدرسة للطفل في سن المدرسة , وبيئة الدراسة والعمل للمراهقين والراشدين .

وقد يلجأ الباحثون إلى طرق عديدة لدراسة اثر الوراثة والبيئة في السلوك الإنساني عن طريق دراسة شجرة الأنساب والسلالات والتوائم وأطفال المؤسسات .

2-  النضج والتعلم :

جميع الخصائص النفسية التي تميز الإنسان تتطلب في نموها عمليتين أساسيتين هما التعلم والنضج , ويمكن القول أن جميع التغيرات النمائية تنتج عن هاتين العمليتين . وحيث إنها متداخلتان فإنه من الصعب أن نعزل آثار بعضهما عن بعض , أو أن نحدد الدور النسبي الذي يقوم به كل منهما في نمو الطفل . فمن الواضح أن نمو الطول ليس متعلما وإنما يعتمد على النضج أى العملية البيولوجية . أما التحسن  في النشاط الحركي كالمشى فيعتمد على النضج والتعلم وعلى التفاعل بينهما .

 

ومن الملاحظ أن علماء سيكولوجية النمو ليسوا على اتفاق تام حول المقصود بالنضج رغم وجود محور مشترك لتعريفه . فكل تعريفات النضج تؤكد العمليات العضوية أو التغيرات البنائية التي تحدث داخل جسم الفرد والتى تكون مستقلة نسبيا عن الظروف البيئية الخارجية وعن الخبرة والممارسة والتدريب . أى إنها تشير إلى  عوامل الفطرة في سلوك  الإنسان كما تتمثل في التغيرات البيولوجية والفسيولوجية  التي تحدث في بنية الكائن العضوي ووظائفه  نتيجة للعوامل الوراثية في اغلب الأحيان .

فحين نلاحظ مثلا أن الطفل يزداد طوله ووزنه وتشتد عضلاته فنحن نلاحظ في الواقع بعض جوانب نضجه . فلا بد من حدوث هذه التغيرات البنائية قبل أن تظهر أنماط سلوكية معينة . وحين تحدث تغيرات سلوكية شبه دائمة دون أن تتهيأ للكائن العضوي فرص التدريب , وحين نلاحظ أن هذه التغيرات السلوكية نفسها تحدث عند معظم الأطفال من نفس العمر تقريبا فإننا نستنتج من هذا حدوث النضج . ومعنى هذا أننا لابد أن نبرهن أولا على أن خصائص السلوك تعتمد أساسا على الوراثة لكي نصفها بأنها من مظاهر النضج .

وهذا التحديد لمعنى النضج يجعله مختلفا عن الاستعمال المتداول له , والذي يعنى وصول الكائن العضوي إلى النمو الكامل في جميع الاتجاهات . وقد يكون هذا المعنى الشائع وراء إستخدام بعض المفاهيم الغامضة في علم النفس مثل النضج العقلي الانفعالي والنضج الإجتماعى , وفيها جميعا لا نستطيع القول إنها نتائج الوراثة في معظمها كما هو الحال في النضج الجسمي والعقلي والعصبي .

أما  التعلم فعادة ما يشير إلى التغيرات التي تحدث في السلوك أو الأداء نتيجة للخبرة أو الممارسة أو التدريب .  ويلعب التعلم  دورا حاسما في النمو – بل ربما يكون أكثر  العمليات أهمية في أحداث التغير في السلوك والأداء .

ولاشك أن النضج والتعلم عمليتان متفاعلتان ويتضح ذلك على وجه الخصوص في النمو الحركي . فمن المعروف أن الزيادة في الطول والوزن والقوة البدنية  هي في جزء كبير منها ناتجة عن النضج , ولكن  تنظيم ظواهر النضج بحيث يصبح من الممكن للطفل أن يؤدى السلوك الذي كان صعبا عليه أن يؤديه من قبل  إنما يحدث بالتعلم . فالرضيع يجلس وحده في حوالي سن 6 أشهر  أساسا بسبب نضجه وتصبح عضلات ظهره أقوى نتيجة للنضج والتمرين . ثم أنه يمكنه أن يتقلب على بطنه مستخدما ذراعيه , ويستطيع أن يوازن رأسه , ويستخدم ساقيه  حين يكون مستلقيا على ظهره  يحاول أن يجذب نفسه إلى أعلى مستخدما يديه وذراعيه . وهذه الأنشطة جميعا تمثل المتطلبات الجسمية السابقة للجلوس , وكلما ازدادت نضجا وازداد تدريب الطفل عليها إزداد استعداده لذلك . ويمكن للطفل أن يحدث التكامل بين هذه الأنشطة الجسمية بأن يضع هذه المهارات الناضجة , المتعلمة في نسق واحد , ويظهر سلوك جديد " هو أن يستطيع أن يجلس وحده " ويزداد  هذا السلوك تحسنا بالخبرة والممارسة والتدريب . وهكذا يكون السلوك الجديد نتاج التعلم والنضج عند ظهوره , نتاج تفاعل التعلم والنضج في استمراره وتحسنه .

ومن حقائق سيكولوجية النمو أن تفاعل النضج والتعلم يمكن أن يؤدى إلى أن يساعد أحدهما الآخر أو يعطله . فالنضج يعطى المادة الخام للتعلم ويحدد النمط العام في سلوك الفرد , وتتحكم فيه إلى حد كبير العوامل الوراثية . ومع ذلك فإن المؤثرات الخارجية  ثؤثر في عمليات النضج ولا يمكن للسمات النفسية الكامنة أن تصل إلى  أقصى طاقاتها الوظيفية في النشاط إلا بالتعلم .

ولا شك أن أنماط السلوك التي تنمو بالتعلم إنما تحددها مؤثرات الثقافة التي يعيش فيها الطفل . فعن طريق عمليات تدريب الطفل في المنزل  ومن خلال الضغوط الإجتماعية من جماعة الأقران ومن المدرسة ومن المجتمع بصفة عامة نجد أن أنماط السلوك التي توافق عليها الثقافة هي ما يتم اكتسابه طوال الحياة .

ومن خلال الجماعات الثقافية التي يتعامل معها الفرد  يتعلم قيم الطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها , وتؤثر هذه القيم بدورها في نمط شخصيته وفى صورة سلوكه . مع أن بعض التأثيرات البيئية قد تعطل نمو الفرد ولا تساعد على الوصول بالسمات الكامنة إلى أقصى طاقاتها في النشاط .

وتتلخص المبادئ التي تحكم العلاقة بين النضج والتعلم فيما يلي :

1- الفروق الفردية في سمات الشخصية والاتجاهات والميول وأنماط السلوك لا تأتى من النضج وحده وإنما هي نتاج تفاعل النضج والتعلم

2- يضع النضج الحد الذي لايمكن للنمو أن يتقدم بعده حتى ولو توفرت أفضل طرق التعلم وأقوى الدوافع لدى المتعلم .

3- تحدد لنا العلاقة بين النضج والتعلم " جدول " التعلم , فالفرد لا يستطيع أن يتعلم إلا إذا كان مستعدا لذلك

وقد توصلت نتائج البحوث التي أجريت حول تحديد العلاقة بين النضج والتعلم إلى ما يلي :

1 - المهارات التي تعتمد على أنماط السلوك الناضجة يسهل تعلمها أكثر  من غيرها

ففي معظم اللغات تجد كلمات تدل على الأم والأب تتألف من أنماط صوتية تشبه با - با , ما- ما . والكلمات التي يكتسبها الطفل أولا هي في العادة كلمات تتناسب مع مناغاته الطبيعية ويمكنه أن يتعلم ماما , بابا , باى باى لأن هذه الكلمات تشبه الأصوات التي يصدرها تلقائيا .

2-   يظل معدل النضج موحدا رغم الاختلاف في ظروف التعلم :

يتضح هذا المبدأ من التجربة المشهورة التي قام بها جيزل وطومسون على سلوك صعود الدرج , وقد أجريت على توأمين متطابقين لم يظهر عليهما أية فروق في هذا السلوك في سن 46 أسبوعا , فكل منهما عجز تماما عن ذلك , ثم اختار الباحثان أحد التوأمين ,التوأم التجريبي (ت) وقاما بتدريبه يوميا على صعود الدرج لمدة 6 أسابيع لفترة 10 دقائق يوميا أما التوأم الآخر التوأم الضابط ( ض ) فلم يتلق أى تدريب طوال هذه الفترة على الإطلاق , وفى نهاية مدة التدريب كان التوأم (ت) يمكنه صعود خطوات الدرج الأربع في حوالي 25 ثانية , بينما لم يتقدم التوأم (ض) أكثر  من وضع الركبة اليسرى على السلمة  الأولى من الدرج , ثم توقف تدريب التوأم (ت)  وبعد أسبوع سابع بدأ تدريب التوأم (ض)  لمدة أسبوعين , وبعد هذه الفترة القصيرة أمكنه اللحاق بأداء التوأم(ت) والتفوق عليه في نهاية هذين الأسبوعين الإضافيين من التدريب . وبالطبع كان للتوأم (ض) ميزة أنه كان  أكبر سنا حين بدأ تدريبه . وبعد أسبوع أى حينما أصبح عمر كل منهما 56 أسبوعا كان اداؤهما في صعود الدرج متماثلا فقد استغرق التوأم (ت) 13.8 ثانية واستغرق (ض) 13.9 ثانية .

وهذا يعنى أن الطفل الذي أتيح له مقدارا من التدريب يبلغ ثلاثة أمثال ما أتيح للطفل الآخر لم يتفوق عليه . بل أن الطفل الآخر أتقن السلوك في مدة وجيزة وبمستوى من الكفاءة والجودة جعلته يتساوى مع أخيه  الذي تدرب لفترة أطول منه . وهكذا نجد أن معدل النضج ظل ثابتا وموحدا . بالرغم من إختلاف  ظروف التدريب المبكر .

3-   كلما كان الكائن العضوي أكثر نضجا أحرز تقدما  أكبر في التعلم

أوضحت التجارب أن الأطفال الكبار يحصلون على نتائج أفضل من الصغار مع توافر نفس المقدار من التدريب .

ففي مجال تعلم الكتابة بالآلة الكاتبة وجد الباحثون أن الأطفال الذين تلقوا تدريبا لمدة عامين لم يكونوا أسرع من الأطفال في نفس السن الذين تلقوا عاما واحدا من التدريب . وتوضح نتائج هذه التجربة أنه كلما كان المتعلم أكثر نضجا كان أكثر  كفاءة في التعلم , ووجد أن المعدل النهائي للتعلم يعتمد على مستوى النضج أكثر  من اعتماده على مقدار الخبرة أو التدريب .

4-   التدريب الذي يتلقاه المتعلم قبل النضج قد يحدث آثارا ضارة في السلوك إذا صاحبه الإحباط :

ماهى الآثار التي تترتب على التدريب قبل توافر الاستعداد والنضج ؟ يبدو أن الطفل الذي يتعرض مبكرا للتدريب على القيام بنشاط غير مناسب يعرض الطفل للفشل والإحساس بالإحباط بل والخوف من ممارسة السلوك وقد أمكن التدليل على ذلك من تجربة أجرتها مكجرو حيث كانت تدرب يوميا طفلا عمره عام لمدة 7 أشهر على ركوب الدراجة, ولاحظت بعد عام من التجربة أن الأشهر السبعة كانت جهدا ضائعا , بل إنها ادت إلى  تعطيل التعلم بسبب ما تعرض له الطفل من الإحباط أثناء تدريبه المبكر ,  وأدى هذا الإحباط إلى القضاء على ميل الطفل لهذا العمل فيما بعد بالمقارنة بالحالات التي تلقت تدريبها متأخرة .

 

 

5-    يؤثر التدريب المبكر في أنماط السلوك التي لاترتبط بالنضج البيولوجي ارتباطا مباشرا :

في تجربة قامت بها مكجرو وجدت أن النشاط  الذي يرتبط  ارتباطا وثيقا بالنضج يتأثر بدرجة صغيرة جدا بالتدريب المبكر , ومن أمثلة هذا نشاط الحبو والمشى والقبض على  الأشياء  , أما أنواع السلوك التي لاترتبط ارتباطا مباشرا بالنضج كالسباحة والتسلق والانزلاق والقفز وغيرها فإنها تتأثر تأثرا كبيرا بالتدريب المبكر . ومن أهم نتائج التدريب المبكر في هذه الحالات ما يكتسبه الطفل من إتجاهات إيجابية نحو العمل الذي يتدرب عليه مبكرا نتيجة النجاح فيه على إلا يتعرض الطفل لخبرات إحباطية , تنتقل هذه الاتجاهات إلى المواقف الأخرى     التي تؤدى فيها هذه الأعمال .

وتبدو فعالية  آثار التدريب المبكر إذا قارنا التحسن في الأنواع البسيطة من النشاط بنمو المهارات الأكثر تعقيدا .  فعندما نقارن بين أطفال  مجموعة ضابطة لم يتدربوا على تسمية الألوان بأطفال مجموعة تجريبية تدربت على تسمية الألوان نجد أن أطفال  المجموعتان متساويين عندما  يصلون إلى مستوى النضج الملائم , وقد وجدت نفس النتيجة من تجارب أجريت  على التدريب على تقوية قبضة اليد , وهكذا لم يحدث التدريب المبكر أثراً فارقا في تنمية أنواع النشاط الأولية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالنضج . أما في حالة التدريب المبكر على الغناء فقد وجد جيرسيلد نتائج مختلفة تماما .  فقد درب أطفال  المجموعة التجريبية على محاولة غناء نغمات جديدة لمدة ستة أشهر كاملة , وظهر في نهاية المدة أن أطفال  المجموعة التدريبية الذين تلقوا هذا التدريب المبكر قد تفوقوا تفوقا واضحا على أطفال  المجموعة الضابطة , واحتفظوا بتفوقهم عندما أعيد اختبارهم بعد عدة شهور .

وهكذا تؤكد نتائج هذه البحوث أنه في ظروف معينة يستحسن أن يعطى صغار الأطفال تدريبا مبكرا  على المهارات المركبة التي لا تعتمد على النضج وحده , وقد تأكد أن تنمية المهارات الحركية في سن مبكرة تضع الأساس لزيادة الإتقان في الأداء بعد ذلك , بشرط أن يقدم التدريب للطفل  متفقا مع مستوى نضج هذه المهارات عنده , وأن يؤدى هذا التدريب إلى توسيع مدى الخبرة عند الطفل , والى تكوين  إتجاهات إيجابية مع عدم التعرض لخبرات الإحباط والفشل قدر الامكان فإذا توافرت هذه الشروط يمكن للتدريب المبكر أن يكشف عن الاستعدادات للتعلم عند الطفل والتى ينبغي للبيت والمدرسة والمجتمع رعايتها وتنميتها .

3- الإثراء الثقافي والحرمان الثقافي :

ان من أهم أهداف الدراسة العلمية للنمو تقديم الرعاية اللازمة والتدخل الواجب في جميع مراحل النمو من الطفولة إلى الشيخوخة . وهنا كان علينا معرفة كيف يمكن لظروف التنشئة الإجتماعية وما تتضمنه من تعديل في السلوك أو إثراء وحرمان ثقافيين وبيئيين أن تؤثر في النمو الإنساني ؟ وقد توصلت نتائج الدراسات إلى أنه بالنسبة للحرمان الثقافي أو البيئي أن هذا النوع من الحرمان يؤدى إلى تدهور أداء الحيوانات الذكية بينما لا يؤثر تأثيرا دالا في أداء " الحيوانات الغبية " ومعنى ذلك أن الحرمان الحسي – كنوع من الحرمان البيئي – أشد  تأثيرا في أصحاب  المستويات العقلية العليا , لأنهم أكثر  حاجة إلى الخبرات الحسية لتعلم المهارات الادراكية وغيرها من المهارات التي تيسر التعلم ( في ظروف الاستثارة العادية) .

أما أصحاب  المستويات العقلية الدنيا فإنهم لا يستفيدون بالقدر الكافي من الخبرات العادية بحيث تساعدهم على التعلم . وبالتالي فإن الحرمان الحسي ( في الظروف التجريبية ) لا يؤثر فيهم تأثيرا واضحا.

أهتم الباحثون بدراسة النقائص الحسية , ومنها حالات الأطفال ضعاف السمع الذين يعانون بالطبع من حرمان جزئي من المثيرات الصوتية . فقد طبق بنتروليف مجموعة من الإختبارات اللفظية وغير اللفظية على عينة من هؤلاء الأطفال في المستويات العمرية من 11 – 14 سنة , فوجد أنهم يظهرون قدرا ضئيلا من التخلف , وكان هذا التخلف  أكبر في الإختبارات اللفظية .

وقد أجريت بعض البحوث على الأطفال الذين ينشأون مع آباء متخلفين عقليا ا وفى ظروف أسرية غير ملائمة من حيث النمو العقلي , وتؤكد النتائج أن طول الفترة التي يقضيها الأطفال مع أمهات من ضعاف العقول يؤدى إلى نقصان نسب ذكائهم . كما لوحظ أن نسب ذكاء الأطفال الذين يأتون من ظروف أسرية غير مواتية تتدهور بانتظام مع التقدم في العمر ( من سن عامين حتى سن 12 سنة ). ودرس العلماء ظروف الحرمان الثقافي أثره في الذكاء في ملاجئ اللقطاء وملاجئ الأيتام , حيث لا يتصل الطفل بأمه الطبيعية , ورعايته يغلب عليها الطابع عير الشخصي .وقد توصلوا إلى بعض النتائج منها أن التدهور العقلي لا يكون خطيرا إذا كان الحرمان مقتصرا على الأشهر  الأولى من حياة الطفل ومعنى ذلك أنه من الضروري أن يتوافر للطفل قدرا مناسبا من الاستثارة في هذه الفترة بحيث يمكن لجهازه العصبي التعامل معها .

وتوضح النتائج أيضاً أن معظم التدهور العقلي يمكن ملاحظته إذا وجد الحرمان في الفترة ما بين 3 شهور ونهاية السنة الأولى من حياة الطفل . ويمكن أن يرجع ذلك إلى اثر الحرمان من الاستثارة البيئية في نمو المخ .

وتشير النتائج كذلك إلى أن الاستثارة الإجتماعية في الفترة مابين الأشهر الستة  الأولى والأشهر الثمانية  الأولى من حياة الطفل لها أهميتها البالغة في نمو الذكاء الإجتماعى للطفل , و أن أى حرمان اجتماعي قبل هذه الفترة لا يؤثر – فيما يبدو – في هذا الجانب من الذكاء وفى نمو الشخصية بوجه عام .ويتزايد التدهور العقلي تزايدا منتظما بتزايد الحرمان الثقافي والبيئي في الطفولة المتأخرة . بل وفى مرحلة المراهقة . ومع ذلك فإن لأثار الحرمان فعالية  متناقصة مع تقدم الطفل في العمر أى أن آثاره اللاحقة تتناقص مع النمو.

وإذا كان للحرمان الثقافي آثاره الضارة في النمو العقلي فهل للإثراء الثقافي آثاره النافعة ؟ تؤكد نتائج التجارب التي أجريت على الحيوانات أن هذه الاستثارة تساعد الحيوانات الغبية أكثرمن مساعدة الحيوانات الذكية ومعنى ذلك أنه إذا كانت ظروف الاستثارة "المعتادة" تساعد الحيوانات " الذكية" على النمو الكامل , فإن زيادة الاستثارة تساعد الحيوانات "الغبية "في نموها .

وفى دراسة أجريت على مائة طفل التحقوا بإحدى مؤسسات الإيواء في أعمار تتراوح بين 2-14 سنة , حيث تم تحديد نسب الذكاء عند بداية الإلتحاق وكذلك كل عام تال لمدة 4 سنوات . وجد أنه لم يحدث تحسن له دلاله إحصائية بالنسبة للمجموعة كلها ,ولكن عندما قسمت العينة إلى فئات عمرية عند بداية الإلتحاق وجد أن أطفال  سن السادسة أو الأقل  منه اظهروا كسبا دالا خلال وجودهم بالمؤسسة . ومن هذا يمكن القول أن أحد المتغيرين الآتيين أو كلاهما يؤثر في تحسين المستوى العقلي لأطفال المؤسسات:

1 - طول الفترة التي قضاها الطفل في البيئة غير الملائمة مع أسرته الطبيعية .

2 – عمر الطفل عند التحاقه بالمؤسسة , ويمكن القول  أن العمر الأنسب الذي يمكن المؤسسات ذات الظروف الملائمة أن تحدث آثارها فيه هو أقل من  6 سنوات .

وتوجد شواهد أخرى عن تحسين ذكاء ضعاف العقول نتيجة الإيداع في المؤسسات , فقد وجد أن مجموعة من ضعاف العقول والحالات الهامشية كانوا يظهرون تناقصا مستمرا في نسب الذكاء نتيجة وجودهم مع أسرهم الطبيعية , ولكن  بعد إيداعهم في مؤسسات ضعاف العقول لفترة متوسطها 4.4 سنة أظهروا كسبا في درجات الذكاء .

وينتمي إلى هذا النوع من البحوث ما أجري على أطفال  الأسر البديلة . فمن المعتاد أن تسعى المؤسسات إلى إعطاء أطفالها  إلى أسر تتبناهم من مستويات اقتصادية واجتماعية مرتفعة . إلا أننا يجب أن نؤكد أن الأطفال الأكثر ذكاء هم الأكثر"حظا" في انتقاء أسر التبني لهم , وعادة ما يرسل هؤلاء الأطفال  إلى أسر يتوافر في أفرادها مستويات "مماثلة" من الذكاء , ويفسر لنا هذا ماتبينه الدراسات الارتباطية من وجود معاملات ارتباط موجبة دالة بين ذكاء الأطفال وذكاء آبائهم بالتبني .

وقد لاحظ الباحثون أن المستويات التعليمية ونسب ذكاء الآباء الحقيقيين عادة  ما تكون أقل منها بالنسبة إلى آباء التبني , ولذلك بذلت الجهود لمعرفة التغيرات المحتملة في ذكاء الطفل نتيجة معيشته مع أسرته البديلة . وقد تمت دراسة 74 طفلا من سن 4 سنوات  قبل التبني وبعده بمدة بلغت في المتوسط 4 سنوات  فوجد أن متوسط التغير في أفضل الأسر 4 نقاط في نسبة الذكاء وهو فرق لا يختلف كثيرا عما حدث في أسوأ الأسر التي لم يحدث للأطفال أى تغير . ومن المفترض أنه لو حدث التبني في مرحلة عمرية أقل من سن 4 سنوات فربما استفاد أطفال  الأسر ذات الظروف الأفضل من هذه الفرص وأدى ذلك إلى إرتفاع في نسب الذكاء .

وهكذا يبدو لنا أن هناك عتبة فارقة " لمستوى النمو" وعتبة فارقة " لمستوى العمر " يكون عندها لكل من الحرمان والإثراء الثقافيين آثره في نمو  الإنسان . ولكن ماهى حدود الحرمان والإثراء التي يكون لها  أكبر قدر من الإنفعالية  في نموالإنسان ؟

الفصل الرابع

مناهج البحث في النمو الإنساني

 

الطريقة العملية في البحث تمثل اتجاها علميا وقيمة عملية تتطلب من الباحث الاقتناع والالتزام بعدد من القضايا التى تتمثل في :

1)    الملاحظة وهي جوهر البحث العلمي التجريبي / الامبريقى .

2)  تتمثل أهمية الملاحظة في العلم في إنها تقدم أهم عناصر العلم وهى مادته الخام , البيانات DATA والمعلومات Information

3)  لابد للمعطيات والمعلومات أو البيانات التي يجمعها الباحث بالملاحظة أن تتسم بالموضوعية Objectivity وتعنى اتفاق الملاحظين في تسجيلاتهم لبياناتهم وتقديراتهم وأحكامهم عليها اتفاقا مستقلا .

4)  تتطلب الموضوعية بهذا المعنى أن يقوم أكثر  من باحث بعمليات التسجيل والتقدير والحكم على أن يكونوا مستقلين بعضهم عن بعض . وهذا يعنى قابلية البحث العلمي للتكرار .

5)  المعطيات والبيانات والمعلومات التي يجمعها الباحثون بالملاحظة العلمية , هي وحدها الشواهد والأدلة التي تقرر صحة الفرض أو النظرية . وعلى الباحث أن يتخلى عن فرضه العلمي , أو نظريته إذا لم تتوافر أدلة وشواهد كافية على صحتها .

وهكذا يصبح البحث العلمي في النمو مختلفا عن الآراء ووجهات النظر التي عرضها الفلاسفة حول طبيعة الطفل وتنشئته . فمن الضروري في الطريقة العلمية أن نميز دائما بين الرأي والحقيقة . فإذا كانت الحقيقة هي ما يمكن أن نتفق حوله اتفاقا مستقلا , وبالتالي ما يمكن أن يكون من نوع المعطيات والبيانات والمعلومات الموضوعية بالمعنى الذي عرفناه فإن الرأي هو ما يمكن أن نختلف فيه وهو عادة نوع من التفسير الذاتي للحقائق . ويظل للرأى هذه الطبيعة التفسيرية الخلافية حتى تتوافر عليه شواهد وأدلة إيجابية كافية , وبهذا يتحول الرأي الذي يكون في بدايته نوعا من " الفرض العلمي" إلى مستوى " القانون العلمي" وحينئذ يكون للقانون طبيعة الحقيقة . ومهمة علم نفس النمو  أن يكشف عن سنن الله في نمو مخلوقاته ومنها الإنسان . وهذا هو المنظور الحقيقي الذي يجب أن تنظر من خلاله إلى نتائج العلم , سواء أجريت بحوثه في الشرق أو الغرب .

وهذا التصور لطبيعة المنهج العلمي لم يكن معروفا في العلوم الإنسانية ومنها  علم النفس – قبل القرن التاسع عشر . ولهذا وجدنا اتجاها يوحد بين آراء الفلاسفة والمفكرين وبين " حقائق" السلوك الإنساني .

ويتوافر للباحثين في الوقت الحاضر طرقا عديدة يمكن إستخدامها في اختبار فروضهم حول النمو الإنساني .  وهذا التنوع في مناهج البحث يمثل أحد مظاهر قوة العلم , لأن معنى ذلك أن النتائج التي نتوصل إليها بأحد هذه المناهج يمكن التحقق منها بإستخدام مناهج أخرى .

الملاحظة الطبيعية :

من طرق البحث التي يفضلها علماء النفس ما يسمى الملاحظة الطبيعية أى ملاحظة  الإنسان في محيطه الطبيعي واليومي المعتاد .ويعنى هذا بالنسبة للأطفال مثلا ملاحظتهم في المنزل أو المدرسة أو الحدائق العامة أو فناء الملعب , ثم تسجيل ما يحدث . وتنقسم طرق الملاحظة الطبيعية إلى نوعين : الملاحظة المفتوحة وهى التي يجريها الباحث دون أن يكون لديه فرض معين يسعى لاختباره ,وكل مايهدف اليه هو الحصول على فهم أفضل لمجموعة من الظواهر النفسية التي تستحق مزيدا من البحث اللاحق , أما النوع الثاني فهو الملاحظة المقيدة , وهى تلك التي يسعى فيها الباحث إلى اختيار فرض معين , وبالتالي يقرر مقدما ماذا يلاحظ ومتى ؟ ونعرض فيما يلي لطرق الملاحظة التي يمكن تصنيفها إلى فئتين :

 (1) طرق الملاحظة المفتوحة :

تشمل طرق الملاحظة المفتوحة open observation  طريقتين أساسيتين هما دراسة الحالة وتسجيل اليوميات من ناحية ووصف العينة من ناحية أخرى .

(ا) دراسة الحالة وتسجيل اليوميات والطريقة الإكلينيكية :

حيث يسجل الباحث المعلومات عن كل فرد من الأفراد موضوع الدراسة  بهدف إعداد وصف مفصل له دون أن تكون لديه خطة ثابتة تبين أى هذه المعلومات أكثر  أهمية من غيرها . وكثير من المعلومات التي تتطلبها دراسة الحالة تتطلب إجراء مقابلات شخصية مع الفرد , وعادة ما تتسم هذه المقابلات بأنها " غير مقننة" أى تختلف الأسئلة التي تطرح فيها من فرد لآخر .

ومن قبيل دراسة الحالة وتسجيل اليوميات , سيرالأطفال التي كتبها الآباء من الفلاسفة والأدباء , والعلماء عن أبنائهم    , والتراجم التي كتبت عن بعض العباقرة والمبدعين , والسير الذاتية التي كتبوها عن أنفسهم , وكذلك أدب الاعترافات الذي بدأ ينتشر في السنوات الأخيرة

وتتلخص عيوب هذه الطريقة فيما يلي :

(1) تعتبر هذه الطريقة بالنسبة للباحث مصدرا ذاتيا وغير منظم للمعلومات , أما من جانب المفحوص فإنه إلى جانب الطابع الذاتي لتقاريره قد تنقص المعلومات التي يسجلها الدقة اللازمة , وخاصة حين يكون عليه استدعاء أحداث هامة وقعت له منذ سنوات طويلة .

(2) المعلومات التي تحصل عليها بهذه الطريقة من فردين أو أكثر  قد لاتكون قابلة للمقارنة مباشرة ,وخاصة إذا كانت الأسئلة التي توجه إلى كل منهما مختلفة .  صحيح أنه في بعض الطرق الإكلينيكية قد تكون الأسئلة مقننة في المراحل  الأولى من المقابلة إلا أن إجابات المفحوصين على كل سؤال قد تحدد نوع الأسئلة التي تطرح على المفحوص فيما بعد . ولهذا  نجد في النهاية أن البروتوكولات التي نحصل عليها تختلف من فرد إلى آخر .

 (3) النتائج التي نستخلصها من خبرات أفراد بذواتهم تمت دراستهم بهذه الطريقة  ,قد تستعصي على التعميم , أى قد لا تصدق على معظم الناس

(4) التحيزات النظرية القبلية للباحث , قد تؤثر في الأسئلة التي يطرحها والتفسيرات التي يستخلصها .

وباختصار فإن طريقة دراسة الحالة قد تفيد كمصدر خصب للأفكار حول النمو الإنساني ,وهى بهذا قد توحي للباحثين بفروض هامة تستحق الدراسة , والتى يجب التحقق منها بإستخدام أساليب  أخرى للبحث . ومن الصعب إستخدام هذه الطريقة في اختبار الفروض .

 (ب) وصف العينة :

في هذه الطريقة يحاول الملاحظ أن سيسجل كل ما يحدث في وقت معين على نحو يجعله أقرب إلى آلة التصوير الفوتوغرافي أو التليفزيوني أو آلة التسجيل السمعي . ولعل هذا ما دفع الباحثين الذين يستخدمون هذه الطريقة إلى الإستعانة بالتكنولوجيا المتقدمة في هذا الصدد . فبإستخدام آلات التصوير وكاميرات الفيديو , وأجهزة التسجيل السمعي يمكن للباحث أن يصل إلى مثله   الأعلى في التسجيل الدقيق الكامل لما يحدث . وهذه الطريقة في الملاحظة المفتوحة أكثر  دقة وموضوعية  ونظاما من الطرق السابقة , إلا أن المشكلة الجوهرية هنا في أننا بطريقة وصف العينة نحصل على معلومات كثيرة إذا استمر التسجيل لفترة طويلة .

(2) طرق الملاحظة المقيدة :

تعتمد طرق الملاحظة المقيدة closed observation   استراتيجياً على اختيار بعض جوانب السلوك فقط لتسجيلها مع ملاحظة أن التقيد يفقد الملاحظة خصوبة التفاصيل التي تتوافر بالطرق السابقة إلا أن ما تفقده في جانب الخصوبة تكسبه في جانب الدقة والضبط . حيث يصبح بإمكان الباحث أن يختبر بسهولة بعض فروضه العلمية بإستخدام  البيانات التي يحصل عليها بهذه الطريقة , وهو ما لا يمكنه إذا استخدم الأوصاف القصصية التي يحصل عليها بالطرق الحرة السابقة , وتوجد ثلاث طرق من نوع الملاحظة المقيدة هي :

(1)عينة السلوك :

وفى هذه الطريقة يكون على الباحث أن يسجل أنماطا معينة من السلوك في كل مرة يصدر فيها عن المفحوص , وقد يسجل الباحث معلومات وصفيه إضافية أيضاً ففي تسجيل السلوك العدوانى قد يلاحظ الباحث أيضاً عدد الأطفال المشاركين في العدوان . وجنس الطفل ومن يبدأ بالعدوان , ومن يستمر فيه إلى النهاية , وما إذا كانت نهاية العدوانية تلقائية أم تطلبت تدخل الكبار , وهكذا . ويحتاج هذا إلى وقت طويل بالطبع .  وتزداد مشكلة الوقت حدة إذا كان على الباحث أن يلاحظ عدة مفحوصين في وقت واحد . وبالطبع ييسر عليه  الأمر إستخدام وسائل التسجيل التكنولوجية التي أشرنا إليها فيما سبق .

ولقد يسهل عليه أن يستخدم نوعا من الحكم والتقدير للسلوك الذي يلاحظه , وتفيده في هذا  الصدد مقاييس التقديرالتى تتضمن نوعا من الحكم على مقدار حدوث السلوك موضوع البحث . ومن ذلك أن يحكم على السلوك العدواني للطفل بأنه يحدث دائما أو يحدث كثيرا أو يحدث قليلا أو نادرا ما يحدث أو لا يحدث على الإطلاق .وعليه أن يحدد بدقة معنى ( دائما – كثيرا- قليلا- نادرا- لا يحدث ) حتى لاينشأ غموض في فهم معانيها , وخاصة إذا كان من الضروري وجود ملاحظ آخر لنفس السلوك يسجل تقديراته بطريقة مستقلة تحقيقا لموضوعية الملاحظة .

(ب) عينة الوقت :

في هذه الطريقة يتركز إهتمام الباحث على مدى حدوث أنماط معينة من السلوك في فترات معينة يخضعها للملاحظة ويتم تحديدا أوقاتها مقدما .

وعلى هذا يمكننا الحصول على وصف صحيح لهذا السلوك , وحكم صحيح عليه إذا لاحظناه بشكل متقطع في بعد الزمن . وتختلف الفترات الزمنية التي يختارها الباحثون لهذا الغرض ابتداء من ثوان قليلة لملاحظة بعض أنواع السلوك , إلى دقائق أو ساعات عديدة لبعض الأنواع الأخرى     . وخلال هذه الفترات يسجل الباحث عدد مرات حدوث السلوك موضع البحث ومن أمثلة ذلك أن يختار الباحث حصة في  أول النهار  وحصة في اخره مرتين في الأسبوع على مدار العام  الدراسي لبحث بعض جوانب سلوك تلميذ المدرسة الإبتدائية .

ومن مزايا هذه الطريقة إنها تسمح بالمقارنة المباشرة بين المفحوصين ما دام وقت الملاحظة وزمنها واحد.

 (ج) وحدات السلوك :

في هذه الطريقة يلاحظ الباحث خلال فترة زمنية معينة وحدات السلوك Behavior Units  , وليس عينة السلوك أو عينة الوقت , وفى هذه الطريقة تتم ملاحظته ككتلة مركبة متجانسة . وتبدأ وحدة السلوك في الحدوث في أى وقت يطرأ على سلوك المفحوص أو بيئته أى تغير . فمثلا إذا لاحظنا أن الطفل وهو يلعب برمال الشاطئ , تحول فجأة إلى وضع كمية الرمل في شعر طفل آخر, فإننا نسجل في هذه الحالة حدوث وحدة سلوك جديدة . وفى كل مرة يسجل فيها الباحث حدوث وحدة سلوك , يمكنه أن يسجل أيضاً ما إذا كان التغير قد حدث في سلوك الطفل أو فى بيئته . وحين تنتهي فترة الملاحظة يقوم الباحث بفحص وحدات السلوك التي تم جمعها ثم تحليلها .ويتطلب ذلك بالطبع تصنيفها في فئات .

وخلاصة القول , أن الباحث الذي يستخدم طريقة الملاحظة الطبيعية , عليه أن يكون منتبها إلى سلوكه أثناء الملاحظة حتى لا يقع في أخطاء التحيز , والذي يتمثل في ميله إلى تدعيم فكرته المسبقة عن السلوك الإنساني , وقد يؤدى به هذا إلى المبالغة في جمع بعض الملاحظات عن طريق الإهتمام الزائد , أو التهوين من بعضها عن طريق الإهمال . وهو بهذا يتجاوز مهمته كمسجل للأحداث كما تقع بالفعل وكما تسجلها الكاميرا العادية إلى اله تضخم بعض الأحداث عن طريق التكبير , أو تقلل من شانها عن طريق التصغير .

ومن مشكلات طرق الملاحظة الطبيعية أن الباحث قد يتجاوز حدود مهمته أيضاً إذا تدخل في عملية التسجيل التي يقوم عليها الوصف الدقيق للظواهر .

وإحدى طرق زيادة الدقة في هذا الصدد تحديد أنواع الأنشطة التي تعد أمثلة للسلوك موضوع الملاحظة . وتكون هذه الأنشطة تعريفا إجرائيا لهذا السلوك .

وتتضمن المشكلة السابقة قضية الموضوعية في الملاحظة . فإذا كانت ملاحظاتنا مجرد انعكاس لتفسيراتنا  وتأويلاتنا وفهمنا للأحداث فلن يحدث بيننا " الاتفاق المستقل" في الوصف , لأننا سمحنا للذاتية فينا بأن تلعب دورا في ملاحظاتنا. ومن الشروط التي يجب أن نتحقق منها في طرق الملاحظة , شرط الثبات , وهو هنا ثبات الملاحظين . ويتطلب ذلك أن يقوم بملاحظة نفس الأفراد في نفس السلوك موضع البحث أكثر  من ملاحظ واحد , على أن يكونوا مستقلين تماما بعضهم عن بعض . ثم تتم المقارنة بين الملاحظين . فإذا حدث بينهم قدر من " الاتفاق المستقل " فيما يسجلون أمكننا الحكم على الملاحظة بالدقة والثبات , والا كانت نتائج الملاحظة موضع شك . وبالطبع فإن هذا الثبات يزداد في طرق الملاحظة المقيدة عنه في طرق الملاحظة المفتوحة .وتحتاج طرق الملاحظة الطبيعية إلى التدريب على رؤية أو سماع ما يجب رؤيته أو سماعه وتسجيله .

وتدلنا خبرة رجال القضاء أن شهادة شهود العيان في كثير من الحالات تكون غير دقيقة , لأنهم بالطبع غير مدربين على الملاحظة .  ومالم يتدرب الملاحظ تدريبا جيدا على الملاحظة فإن تقاريره لن تتجاوز حدود الوصف الذاتي المحض ,  وهى بهذا تكون عديمة الجدوى في أغراض البحث العلمي .  وفى كثير من مشروعات البحوث يتم تدريب الملاحظين قبل البدء في الدراسة الميدانية حتى يصلوا في دقة الملاحظة إلى درجة الإتقان شبه الكامل بينهم أى بنسبة اتفاق لا تقل عن 90 % .

ومن المشكلات الأخرى     في طرق الملاحظة الطبيعية أن مجرد وجود ملاحظ غير مألوف بين المفحوصين يؤثر في سلوكهم ويؤدى إلى انتفاء التلقائية والطبيعية في اللعب أو العمل أو غير ذلك من  المواقف موضع الملاحظة .وقد بذلت جهود كثيرة للتغلب على هذه المشكلة . ومن ذلك تزويد معامل علم النفس بالغرف التي تسمح حوائطها الزجاجية بالرؤية من جانب واحد one way glass  (وهو في العادة الجانب الذي يوجد فيه الفاحص ) وفى هذه الحالة يمكن للفاحص أن يكون خارج الموقف ويلاحظه وهو يتم بتلقائية .ومنها أيضاً إستخدام كاميرات الفيديو المخفاه , وآلات التسجيل السمعي بشرط أن توضع في أماكن خفية لا ينتبه إليها المفحوصين , أو أن توضع في أماكن مرئية لهم على أن تظل في مكانها لفترة طويلة نسبيا من قبل إستخدامها حتى يتعود على وجودها المفحوص . وقد يلجأ بعض الباحثين للتغلب على هذه المشكلة إلى الاندماج  مع المفحوصين في محيطهم الطبيعي قبل الإجراء الفعلي للبحث بحيث يصبح وجودهم جزء من البيئة الإجتماعية للبحث , وهذه الطريقة تسمى الملاحظة بالمشاركة .

وكلما أجريت الملاحظة في ظروف مقننة ومضبوطة زودتنا بمعلومات أكثر  قابلية للتعميم , فمثلا عند دراسة نمو القدرة على القبض على  الأشياء  ومعالجتها قد يتطلب  الأمر ملاحظات دقيقة وتفصيلية للأطفال من مختلف الأعمار ,كل منهم يقوم بمعالجة نفس الشيء في موقف مقنن أو موحد .

والملاحظ لا يستطيع أن يلاحظ كل شيء في سلوك الطفل , وإنما يحدد ملاحظاته بنمط معين من أنماط السلوك .فمثلا عند دراسة النمو الإجتماعى قد يقتصر إهتمام الباحث على العدوان بين أطفال  دور  الحضانة , وفى هذه الحالة يسجل بدقة جميع الأفعال التي تصدر منهم في هذا الصدد , مثل الخبط والضرب والعراك والسباب وتحطيم لعب الطفل الآخر . وحيث أنه أيضاً لا يستطيع أن يلاحظ الطفل طول الوقت فلا مناص من لجوئه إلى منهج عينة الوقت , كما يجب على الباحث أن يصوغ بياناته عن العدوان في صورة كم أو مقدار أو درجة قدر الامكان (تكرار حدوث السلوك ).

وبالطبع فإن سلوكا مثل معالجة  الأشياء  , أو العدوان يمكن ملاحظته مباشرة , إلا أن كثيرا من التغيرات التي يهتم بها المتخصص في سيكولوجية النمو ليست كذلك . فالذكاء وسمات الشخصية والدوافع الأساسية جميعا , لا يمكن ملاحظتها مباشرة ويجب الاستدلال عليها واستنتاجها من الأداء الظاهر .

وإذا كان علينا أن نقارن بين أداء المفحوصين المختلفين فإن الظروف التي نلاحظهم فيها يجب أن تكون موحدة للجميع قدر الامكان . وبذلك يمكننا أن نتأكد من أن الاختلافات في أداء الأطفال ترجع إلى الفرق في مستويات الذكاء وليس إلى غير ذلك من المتغيرات  الداخلية   .

فنفرض مثلا أن طفلا اختبرناه في حجرة مليئة بالضوضاء , أو ضعيفة الإضاءة , أو أن الفاحص الذي يقوم بتطبيق الاختبار شخص غير خبير وغير مدرب وأن طفلا آخر يتم اختباره بفاحص خبير ومدرب وفى مكان هادئ جيد الإضاءة فهنا نجد أن الأداء السيئ الذي يؤديه الطفل الأول قد يرجع إلى الظروف المحيطة به أو إلى إجراء الاختبار نفسه وليس إلى انخفاض مستوى الذكاء . أما إذا كانت ظروف الاختبار متطابقة للطفلين قدر الامكان يمكننا أن نستنتج استنتاجا معقولا وهو أن الطفل الذي يؤدى في الاختبار أداء أسوأ من الآخر يكون أقل ذكاء منه .

وبالمثل يمكننا أن نستنتج مدى القوة النسبية لدافع العدوان لدى الأطفال من ملاحظتنا لسلوك العراك والسباب اللفظي والتحطيم . ومرة أخرى فإن هذه الملاحظات إذا لم تتم في ظروف مضبوطة ومتقنة , فإن استنتاجاتنا قد لا تكون صحيحة , فمقدار العدوان الذي يظهره الطفل يختلف تبعا لطبيعة الموقف الذي يكون فيه . وبالتالي فإذا اختلفت المواقف يصعب علينا أن نعرف القوة النسبية لهذا الدافع لدى طفلين مختلفين .

وإذا كانت ثمة كلمة أخيرة , فإننا نقول أن الملاحظة الطبيعية تتوفر فيها كل خصائص التعقيد والتركيب لمواقف الحياة الطبيعية التي تتحرر منها قدر الامكان المواقف المعملية , إلا أن هذا ليس عيبا في الطريقة وإنما هو أحد حدودها .  فالواقع أننا في حاجة إلى البحوث التي تعتمد على وصف السلوك الإنساني في سياقه الطبيعي والمعتاد , والتى تقودنا إلى بحوث أخرى تعتمد على طرق أخرى تستند في جوهرها على منطق " العلية" توجهها إلى التفسير والتنبؤ والتوجيه والتحكم في هذا السلوك .

النهج التجريبي :

التجربة هي نوع من الملاحظة المقننة أو المضبوطة , إلا إنها تتميز عن الملاحظة في إنها تتطلب تدخلا أو معالجة يقوم بها الباحث اوالمجرب . فالمجرب هو الذي يصطنع أحد العوامل أو المتغيرات ويتحكم فيه ويعالجه ولهذا يسمى المتغير المستقل , ثم يلاحظ ما إذا كان هناك عاملا أو متغير آخر, أو مجموعة أخرى من العوامل والمتغيرات تختلف تبعا لاختلاف المتغير المستقل , ويطلق عليها اسم المتغير التابع , أما باقى العوامل والمتغيرات فيجب أن تظل ثابتة أى لا يسمح لها بالتغير . وفى هذه الحالة , توصف هذه المتغيرات الدخيلة , بأنها تم التحكم فيها حتى لا تتدخل في تفسير النتائج . وقبل أن يقوم الباحث بتجربته عادة ما يصوغ " فرضا" يتطلب الاختبار .

فإذا أراد باحث تجريبي أن يدرس آثار المستويات المختلفة من الإحباط في سلوك العدوان لدى الأطفال , فإنه يفترض أنه كلما زادت درجة الإحباط , يؤدى ذلك إلى زيادة مقدار السلوك العدواني لدى الطفل . ويمكن للباحث أن يختبر هذا الفرض تجريبيا بإستخدام ثلاث مجموعات من الأطفال تتعرض كل منها لظرف خاص أو معالجة خاصة , مجموعتان تجريبيتان ومجموعة ضابطة , بحيث تتساوى المجموعات الثلاث تقريبا في الخصائص التي لاتهم الباحث في هذه التجربة ولكنها قد تؤثر في التعبير عن العدوان,  مثل العمر الزمني ومستوى التعليم , والجنس ,والصحة , والذكاء والمستوى الاقتصادي والإجتماعى  ,,وبعبارة أخرى فإن الباحث يثبت هذه العوامل , وعندئذ يمكنه أن يعالج على النحو الذي يشاء المتغير المستقل الذي يهتم به وهو مقدار الإحباط .فمثلا قد يعرض على المجموعة  الأولى  من الأطفال عددا من المشكلات التي تستعصي على الحل , ويعطيهم تعليمات تتضمن وصف هذه المشكلات بالسهولة  , وقابليتها للحل ويطلب منهم أن يعملوا على حلها خلال فترة زمنية محددة , وبهذا تتعرض هذه المجموعة ل أكبر مقدار من الإحباط .

 والمجموعة الثانية قد تعرض عليهم مشكلات صعبة ولكنها تقبل الحل ويطلب منهم حلها في نفس الفترة الزمنية ,  وبالطبع فإن هذه المجموعة تتعرض أيضاً للإحباط ولكن بمقدار أقل . أما المجموعة الثالثة الضابطة فيطلب منها أداء أعمال سهلة لا تؤدى إلى إحباط .

ويضع الباحث المجموعات الثلاثة في موقف اجتماعي أثناء حل المشكلات حتى يمكن ملاحظة وتسجيل سلوكهم العدواني .

في هذه الحالة يمكن للباحث أن يحدد ما إذا كانت زيادة درجة الإحباط تؤدى إلى زيادة مقدار العدوان , وهو ما يتوقعه فرض البحث .وتتحقق صحة هذا الفرض إذا وجد الباحث أن المجموعة التي تعرضت ل أكبر قدر من الإحباط , سلكت سلوكا عدوانيا  أكبر من غيرها , والمجموعة الضابطة سلكت سلوكا عدوانيا أقل من غيرها .

والميزة الفريدة والهامة في التجربة هي أنه حين يتم التحكم في المتغيرات الدخيلة فإن المتغير المستقل يؤثر تأثيرا واضحا لأن التغيرات فيه تؤثر في المتغير التابع وهو ما يمكن البرهنة عليه مباشرة من نتائج البحث التجريبي . وبدون الإجراءات التجريبية يكون من الصعب الحكم على مدى إسهام جميع العوامل المستقلة التي تؤدى إلى نتيجة معينة أو تحدث أثراً محددا حكما دقيقا . فمثلا نجد أن شدة الإستجابات العدوانية لدى الأطفال تتأثر بعوامل كثيرة مثل الجنس والمستوى الاقتصادي والإجتماعى  وخبرات الإحباط السابقة ووجود سلطة الكبار أو عدم وجودها ثم الخوف من العقاب . ويمكن للدراسات التي تعتمد على الملاحظة المباشرة أن تعطى بيانات هامة عن اثر هذه المتغيرات , إلا أن إجراء التجارب المضبوطة يعطينا بيانات أكثر دقة ووضوحا . كما أن التفسير السببى لا يزودنا به بوضوح إلا المنهج التجريبي .

وما يهمنا أن نشيراليه هو مسألة الضبط والتحكم التجريبي التي ترددت كثيرا فيما سبق . وأشهر الطرق لتحقيق ذلك ما يسمى التوزيع العشوائي للمفحوصين على المعالجات التجريبية المختلفة , وطريقة العينة العشوائية , وهى طريقة تهيئ لكل مفحوص فرصة متساوية لأن يتعرض لأي معالجة أو شرط في الموقف التجريبي دون أى قصد متعمد من الباحث . وبهذا يمكن للعوامل المختلفة التي قد تؤثر في المتغير التابع أن تتوزع عشوائيا داخل كل شرط أو معالجة تجريبية وبين هذه الشروط أو المعالجات .

وعلى الرغم من أن المنهج التجريبي هو أفضل المناهج في اختيار العلاقات السببية والتي تؤدى إلى تفسيرات مقنعة فإن هناك بعض الانتقادات التي تتلخص فيما يلي :-

1- ان وجود المفحوص ضمن إجراء تجريبي يؤثر إلى حد ما في سلوكه ويجعله يفتقد التلقائية والطبيعية التي تميز طرق الملاحظة المباشرة .

 2- البيئة " المعملية" المضبوطة التي تجرى فيها البحوث التجريبية هي أيضاً بيئة اصطناعية للغاية , ومن المتوقع للمفحوص أن يسلك على نحو مختلف في مواقف الحياة الفعلية . ولهذا يجب إلا تنتقل نتائج بحوث المعمل إلى الميدان انتقالا مباشر, وإنما على الباحث أن يمر بخطوات عديدة في سبيل ذلك .

وأفضل الطرق للتغلب على هذه المشكلة هو تصميم تجارب تبدو طبيعية للمفحوصين , ويمكن جعل الموقف التجريبي أكثر  طبيعية للأطفال مثلا بأن تجرى تجارب في موقف معتاد كالبيت أو المدرسة . كما أن الأطفال قد يسلكون على نحو أكثر  طبيعية إذا كان الأب  أو المعلم هو المجرب , بدلا من وجود شخص غريب لا يعرفونه , كما يمكن عرض الموقف التجريبي بطريقة تتفق مع ميول الأطفال , كان تعرض أسئلة اختبار الذكاء أو الابتكار عليهم على إنها نوع من الألعاب أو الإلغاز بدلا من أن تكون أسئلة في اختبار . كما يمكن للباحث إجراء التجربة الميدانية في البيئة الطبيعية بالفعل بطريقة تجعل الأطفال لا يشعرون بأنهم في" تجربة ". وهذا الأسلوب يجمع بين مزايا الملاحظة الطبيعية والضبط الأكثر إحكاما في الموقف التجريبي .

 3-  التوزيع العشوائي للمفحوصين على مجموعات المعالجة يحدث في بعضهم استجابات سلبية إزاء الموقف التجريبي . وخاصة إذا كان على المفحوص أن يعمل مع مجموعة لا يحب العمل معها . ومعنى ذلك أن الباحث التجريبي عليه أن يتعامل مع مفحوصيه على إنهم بشر .وإذا نشأت مثل هذه المشكلات عليه أن يواجهها ويحلها في الحال .

 4-  الأجهزة والأدوات والمواد التي تستخدم في الموقف التجريبي داخل المعمل قد تجعل المفحوصين يعتقدون  بأن عليهم أن يسلكوا على نحو معين وبطريقة معينة , وبالتالي لا نحصل على نتائج علمية حقيقية .

5-  تؤثر توقعات المجرب في نتائج التجربة , فالباحث الذي يعتقد بشدة في صحة فرضه فإنه قد يلجأ  متعمدا أو بدون قصد إلى تهيئة الشروط التي تدعم هذا الغرض .

وللتغلب على هذه المشكلة يقترح بعض العلماء إجراء التجارب بطريقة مخفاه أو بطريقة غير واضحة أو مباشرة , بحيث لا يعلم الفاحصون ولا المفحوصون أى شيء عن التجربة التي يشاركون فيها إلا بعد إنتهاء التجربة .

وبالرغم من كل ما سبق تبقى للمنهج التجريبي قيمته الكبرى في تزويدنا بأدق فهم لعلاقات السبب والنتيجة في دراسة السلوك الإنساني .

المنهج شبه التجريبي :

حينما يصعب على الباحث تطبيق المنهج التجريبي بمعناه السابق نجده يحاول فرض قدر من الضبط للعوامل الدخيلة التي قد يكون لها بعض الآثار المحتملة في السلوك موضوع الدراسة . ويوجد في الوقت الحاضر عدة تصميمات من هذا القبيل تجمعها تسمية عامة هي المنهج شبه التجريبي أو الامبيريقى Quasiexperimental .

لنفرض أن أحد الباحثين أراد أن يدرس أثر الحرمان من الأسرة في النمو الإجتماعى للطفل , نجد أن تطبيق المنهج التجريبي الكامل في هذه الحالة يتطلب تقسيم المفحوصين عشوائيا إلى نصفين , أحدهما يظل يعيش مع أسرته بينما يودع الآخر في أحدى دور الرعاية , وذلك طوال فترة التجربة ثم تقارن بين المجموعتين في النمو الإجتماعى . وبالطبع فإن معظم الأسر ترفض أن تسمح لأطفالها بالمشاركة في تجربة من هذا النوع . كما أن النظام الإجتماعى لا يوافق على أن ينفصل الطفل عن والديه , وأن يودع في مؤسسة من أى نوع , إلا في بعض الاستثناءات القليلة الشاذة .ولذلك لابد أن يلجأ الباحث في هذه الحالة إلى تصميم شبه تجريبي .وفى هذه الحالة يقارن بين مجموعتين من الأطفال أحدهما تعيش مع أسرها الطبيعية والأخرى تعيش في أحدى  دور الرعاية نتيجة لظروفها الإجتماعية .

ومعنى ذلك أن شبه التجربة هي دراسة يلاحظ فيها الباحث نتائج حدث طبيعي أو قرار متصل بالسياسة الإجتماعية يفترض فيه أن له أثر على حياة  الإنسان . ويكون المتغير المستقل في هذه الحالة هو الحدث أو الظرف الذي يفترض فيه أن تؤثر نتائجه على الذين يتعرضون له . والباحث هنا لا يستطيع أن يتحكم في المتغير المستقل ولا يستطيع أن يوزع المفحوصين على مختلف المعالجات فالتوزيع أحدثته الظروف المعتادة للحياة اليومية وعلى الباحث أن يدرس أثاره في مواقعه التي توجد بها عينة الدراسة .

وتتفاوت البحوث شبه التجريبية في الكيف .ولعل أفضل تصميمات هذا النوع من البحوث أن يختار الباحث لمجموعته الضابطة أفرادا من المسجلين في قوائم الانتظار للالتحاق بالبرامج أو المعالجة موضع الدراسة .ولعل هذا يوفر قدرا من القابلية للمقارنة بين المجموعتين الضابطة التجريبية على الأقل في متغير الرغبة في المشاركة في البرنامج  أو المعالجة , أو عدم الرغبة في ذلك . وقد تكون لمتغيرات أخرى مثل حجم الأسرة والدخل والمستوى التعليمي للوالدين أهمية  أكبر من غيرها من التغيرات وهكذا تظل النتائج شبه التجربة مفتوحة لتفسيرات متعددة . ولا تؤدى إلى تحديد قوى لعلاقة السبب والأثر كما هو الحال في المنهج التجريبي الكامل .

المنهج الإرتباطى :

توجد مشكلات هامة في سيكولوجية النمو لايمكن تناولها بالبحوث التجريبية أو شبه التجريبية . ومن ذلك مثلا إذا أراد الباحث أن يحدد العلاقة بين الاتجاهات الوالدية (كاتجاه الرفض) ونمو شخصية الطفل فمن الصعب أن لم يكن من المستحيل  أن يطلب من بعض الأمهات  أن يرفضن أبناءهن حتى يجرى الباحث تجربة كاملة عليهن وعلى الأبناء  , كما قد يصعب عليه أن يجد في الحياة الإجتماعية الشاملة آباء يرفضون أطفالهم بحيث يصنفهم في مجموعة في مقابل مجموعة أخرى تقبل الأبناء حتى يجرى عليهم بحثا شبه تجريبي . ولهذا فإن إجراء بحوث على مثل هذه المشكلات يكون من نوع مختلف تماما ,ان الباحث قد يستخدم بعض الاستخبارات أو الاستفتاءات أو يجرى بعض المقابلات مع الأمهات  ليتقصى الاتجاهات الوالدية لديهن , وحينئذ قد يجد أن بعض الأمهات  ترفضن أبناءهن سيكولوجيا , كما يجد مجموعة أخرى مقارنة من الأمهات  تقبلن أبناءهن .

 فإذا كان أطفال  مجموعتي الأمهات  متكافئتين تقريبا في العمر الزمني والذكاء والمستوى الإجتماعى والاقتصادي وغير ذلك من العوامل الدخيلة , يمكن للباحث أن يقارن بين سمات الشخصية لدى مجموعتي الأطفال معا ببعض معلومات في العلاقة بين الإتجاه الوالدى الرافض وشخصية الطفل . ويعد هذا البحث ارتباطيا لأن علاقة السبب والأثر فيه غير واضحة كما هو الحال في البحث التجريبي وشبه التجريبي .

ان نتائج هذا البحث التي قد تتمثل في أنه كلما زاد رفض الأم للطفل تزداد عدوانية الطفل . ونقص عدوانية الطفل مع نقص رفض الأم له لا تتضمن علاقة سببية مباشرة .فهل يؤدى رفض الأم للطفل إلى زيادة عدوانيته ؟ أم أن عدوانية الطفل تؤدى بالأم إلى رفضه ؟ أم أن كلا من رفض الأم وعدوانية الطفل يتأثران بعامل ثالث غير معلوم ؟ أن كل ما نحصل عليه من معنى هو وجود علاقة بين العنصرين .

وقد يتطلب المنهج الارتباطى متغيرين على الأقل ثم تحديد درجة العلاقة بينهما .وفى هذه الحالة يمكن أن يجرى البحث الارتباطى على مجموعة واحدة . ومن ذلك مثلا أن يقيس الباحث عدد الساعات التي يخصصها الطالب ليلا للاستذكار المنزلي  ,والدرجة التي يحصل عليها في الإختبارات التحصيلية ,ثم يحسب العلاقة بين المتغيرين بالنسبة لمجموعة من الأطفال , والأسلوب الإحصائي الذي يستخدم في هذه الحالة هو معامل الارتباط والذي يحدد التغير الاقتراني بين المتغيرين , والذي يتراوح بين العلاقات الموجبة الكاملة والعلاقات السالبة الشاملة , وبينهما توجد العلاقات الجزئية موجبة أو سالبة , والعلاقات الصفرية .

وتدل العلاقات الموجبة (+1 وما هو أقل منها ) على أن العلاقة طردية , بمعنى أن الزيادة في المتغير تقترن معها زيادة المتغير الثاني , والنقص في المتغير الأول يقترن معه نقص في المتغير الثاني . ومن ذلك العلاقة بين الذكاء والتحصيل المدرسي , التي تكون عادة في صورة معامل ارتباط مقداره (0.85) ومعناه أن الطفل الذكي يزداد تحصيله والطفل الأقل ذكاء يقل تحصيله . أما العلاقة السالبة ( -1 وما هو  أكبر منها ) قد تدل على العلاقة العكسية , ومن ذلك العلاقة بين القلق والتحصيل المدرسي التي يصل معامل ارتباطهما إلى (-0.65 ) ومعنى ذلك أن الزيادة في القلق ترتبط بالنقص في التحصيل المدرسي . والنقص في القلق يرتبط بالزيادة في التحصيل المدرسي . وقد تكون العلاقة صفرا (أو مقدارا إحصائيا ليس له دلالة إحصائية ). ومن ذلك العلاقة بين الذكاء وطول القامة الذين يبلغ معامل ارتباطهما 0.025 ( وهو معامل غير دال إحصائيا ويعتبر صفرا بهذا المعنى ) . ومعنى ذلك أن الطفل الذكي قد يكون قصير القامة أو طويلا , وكذلك الطفل الأقل ذكاء قد يكون أيضاً طويلا أو قصيرا , أى لا توجد وجهة محددة لاتجاه العلاقة بين المتغيرين .

المنهج المقارن :
يلاحظ على جميع المناهج السابقة إنها تقصر اهتمامها على النظر إلى سلوك  الإنسان في وقت معين , إلا أن البحث في النمو يحتاج  بالإضافة إلى ذلك إلى تحديد كيف يتطور السلوك الإنساني عبر الزمن . ولهذا كان لابد من ابتكار منهج يتفق مع هذه الضرورة , ومن هنا كان ظهور المنهج المقارن في هذا الميدان الذي يعد في جوهره منهجا تطوريا نمائيا ارتقائيا .

والمنهج المقارن يتضمن في جوهره دراسة الأفراد من مختلف الأعمار وعلى افتراض أنه توجد أدلة على التغير في سلوك  الإنسان خلال مدى الحياة وأن هذا يعتبر هو العمر المتغير التقليدي الذي يتحدد من خلاله مسار النمو , ولابد من الاعتراف بضرورته لأي معالجة لنمو الأفراد , فالتحسن والتدهور في الخصائص الفسيولوجية والسيكولوجية والإجتماعية يرتبطان بالعمر , إلى الحد الذي يدفعنا إلى القول بأن العمر يتدخل في كل العلاقات الوظيفية المرتبطة بالسلوك .

ويمكن لن نميز في هذا الصدد ثلاث مشكلات جوهرية تمثل مرتكزات بحوث سيكولوجية النمو من حيث علاقتها بالعمر وهى :

1)          تحديد درجة التحسن والاستقرار والتدهور في مختلف جوانب السلوك الإنساني مع التقدم في العمر.

2)    تحديد نوع الميكانيزمات المسئولة عن التحسن أو التدهور حين يلاحظه وهل تعد من قبيل الميكانيزمات المركزية أو الطرفية .

3)    تحديد طبيعة بيئة المفحوصين والتي تختلف في جوهرها من عمر لآخر فهي عند الأطفال غيرها عند المراهقين أو الشباب أو الراشدين أو المسنين .

وهذه المشكلات الثلاث تستثير الإهتمام بطبيعة الصعوبات المنهجية ونتناول فيما يلي هذه الصعوبات مصنفة تبعا لطرق البحث المستخدمة في هذا المجال .

(1)  الطريقة المستعرضة :

الطريقة المستعرضة Cross SecTional والطريقة الطولية Longibidinal  التي سنشيراليها فيما بعد – هما أكثر  طرق البحث في ميدان النمو إستخداما , بالرغم من مشكلاتها المنهجية , وسوف نتناول هاتين الطريقتين أولا ثم نعرض لطريقة التحليل التتابعى .

والطريقة المستعرضة تعتمد أساسا على انتقاء عينات مختلفة من الأفراد من مختلف الأعمار , ثم نطبق عليهم عدة مقاييس متكافئة , ونقارن اداءات العينات المختلفة في كل مقياس على حدة , وتتم هذه المقارنات في ضوء متوسطات العينات . وتفترض هذه الطريقة أن المتوسطات توضح مسار النمو العادى , وتقربنا إلى حد كبير من الدرجات التي يمكن أن نحصل عليها لو آجرينا البحث على أفراد من عمر معين , ثم أعيد اختبارهم عدة مرات متتالية  حين يصلوا إلى أعمار معينة .إلا أن هذا الافتراض موضع نقد وتساؤل على الأقل بالنسبة لبعض الأفراد الذين تم اختبارهم بالطريقة المستعرضة للأسباب الآتية :-

ا)   العوامل الانتقائية في العينات المختلفة :

 فجماعات العمر المختلفة قد لا يكون بينها أوجه للمقارنة نظرا لأثار العوامل الانتقائية المتتابعة . ويظهر اثر هذه العوامل خاصة حين تجرى البحوث على الطلاب حيث أن طلبة الجامعات أكثر انتقائية من طلبة المدارس الثانوية وأولئك أكثر  انتقائية من تلاميذ المدارس الإعدادية والابتدائية .

وهكذا فإن المتوسط المرتفع لطلاب الجامعات قد ينتج عن عمليات التصفية هذه , ولذلك فلكي تستخدم هذه الطريقة بفاعلية أكثر في بحوث النمو, لابد أن تشتق العينات من الأصول الاحصائية العامة للسكان من مختلف الأعمار وليس من الأفراد من مؤسسات تعليمية أو مهنية معينة , وتمثل هذه المسألة أحدى عوائق البحث الكبرى في بحوث الراشدين خاصة . فجميع جماعات الراشدين جماعات منتقاه على نحو من الأنحاء : الجماعات الدينية , وجماعات الأندية وأعضاء النقابات والاتحادات , وبيوت المسنين .

ب)  إختلاف  رصيد الخبرة :

 قد لا يكون هناك وجه للمقارنة بين أرصدة الخبرة المختلفة عند جماعات الأعمار المختلفة . فمن المستحيل الحصول على عينات مختلفة من الأعمار, ونفترض إنها عاشت في ظروف ثقافية موحدة , ولذلك نجد من المعتاد المقارنة بين جماعات عمرية تفصل بينها أجيال مختلفة , كما هو الحال في بحوث الأطفال والمراهقين الراشدين , فمثلا لا يستطيع أحد أن يعزى الفروق بين من هم اليوم في سن الأربعين ومن هم الآن في سن 15 أو 8 إلى عوامل تتعلق بالعمر أو النمو وحدهما , فعندما كان الأفراد الذين هم الآن في سن الأربعين في سن الخامسة عشرة أو الثامنة كان التعليم أكثر  تواضعا والفرص المتاحة للأطفال والشباب أقل تنوعا , والاتجاهات الإجتماعية أكثر  اختلافا ومعنى هذا أن الاختلاف بين مجموعات العمر قد ترجع في جوهرها إلى ظروف متباينة نتيجة للتغيرات الثقافية والحضارية . وبالتالي لا يمكن الجزم بأن التغير المشاهد يرجع إلى العمر وحده .

ج)  منحنيات المتوسطات والمنحنيات الفردية :

 لا تسمح الطريقة المستعرضة - كما أشرنا- إلا برسم منحنيات المتوسطات - والسبب في هذا أن الأشخاص مختلفون في كل مستوى عمري من مستويات البحث ,ويستحيل في هذه الحالة رسم المنحنيات الفردية . إلا أن مثل هذا الإجراء قد يخفى اختلافات هامة بين الأفراد من ناحية , وداخل الأفراد من ناحية أخرى . وقد  ينشأ عن رسم المنحنيات الجماعية أن تتلاشى هذه الاختلافات أو تزول , ولهذا قد يكون منحنى المتوسطات الناجم مختلف اختلافا بينا عن منحنى النمو لكل فرد على حدة ومن أشهر النتائج التي توضح لنا خطورة هذه المسألة دراسة النمو الفجائي الذي يسبق المراهقة .

 فمنحنيات النمو الفردية بالنسبة لكثير من السمات الجمعية تكشف عن زيادة فجائية تطرأ على معدل النمو الجسمي قبل البلوغ , ولما كان الأفراد يختلفون في سن البلوغ فإن هذه الوثبة تحدث في فترات مختلفة لكل فرد على حدة , وبالتالي في المنحنيات الفردية للأفراد فإذا رسمت منحنيات متوسطات نجد أن هذه الاختلافات الفردية يلغى بعضها بعضا , ونجد المنحنى الناجم لا يكشف عن الزيادة الفجائية , إلا إذا اشتملت عينة الدراسة على عدة أفراد يصلون إلى البلوغ في نفس السن , وهو احتمال لا يحدث إلا إذا كانت العينات ممثلة تمثيلا جيدا للأصل الإحصائي السكاني العام .

وبالرغم من مشكلات الطريقة المستعرضة إلا إنها الأكثر شيوعا في بحوث المقارنات بين الأعمار لسهولتها النسبية .

2) الطريقة الطولية :

الطريقة الثانية من طرق البحث في ميدان المقارنات العمرية هي الطريقة الطولية وفيها تتم متابعة نفس العينة من الأفراد وإعادة اختبارهم عدة مرات بعد مرور عدد من السنوات , وهى بهذا تتغلب على بعض مشكلات الطريقة المستعرضة . وتوفر للباحثين إمكانيات بحث أفضل , ففيها لا تتدخل الفروق بين الأجيال والفروق داخل الجماعات مع فروق العمر, كما هو الحال في الدراسات المستعرضة . ومن ناحية أخرى فإن هذه الطريقة تسمح للباحثين بتحليل التغاير داخل الفرد مع الزمن , وبالتالي فهي توفر لنا أدلة حول مدى الثبوت أو التغير داخل الأدوار وأكثر منها بين الأفراد .

ومع هذه المزايا الظاهرة للطريقة الطولية إلا أن لها مشكلاتها التي تتلخص فيما يلي :

أ‌-         النقصان التتابعى للعينة :

فلا شك في أن البحث الطولي يستغرق فترة طويلة نسبيا من الزمن , ولهذا نتوقع أن يتناقص عدد المفحوصين تدريجيا , ولذلك فإن المتابعات المتأخرة لنفس العينة نجدها تتم على إعداد قليلة إلى حد كبير لو قورنت بالحكم الأصلي  لهذه العينة حين بدأ البحث منذ سنوات بعيدة .

ب‌-      العوامل الانتقائية :

 فالأفراد الذين يشاركون في البحث لعدة سنوات يتم انتقاؤهم تبعا لعوامل تحكمية وليست عشوائية ومن ذلك استقرار محل الإقامة , والتعاون المستمر مع الباحث . وبالطبع فإن المفحوصين الذين يتم انتقاؤهم بهذه الطريقة قد يظهرون خصائص أخرى ترتبط بالمستوى الثقافي والميول والاتجاهات بل والظروف الطبيعية والصحية . ولهذا فإن عينات البحوث الطولية قد تكون متحيزة وليست عشوائية , فقد تكون أعلى نسبيا من المستوى العام للأصل الإحصائي السكاني .وقد يكون العكس صحيحا بالنسبة للأفراد الذين يقيمون في المؤسسات .

فالأطفال ومراهقوا الملاجئ والإصلاحيات يمثلون المستوى الأدنى من الأصل الإحصائي العام , بينما راشدو دور المسنين قد يكونون من مستويات اقتصادية واجتماعية عالية  نسبيا إذا كانت هذه البيوت تديرها جمعيات خاصة وقد يكونوا من مستويات دنيا إذا كانت من النوع الذي تديره هيئات حكومية للإيواء العام , وفى الحالتين يصعب تعميم نتائج البحوث الطولية على المجتمع   الأعلى . ومع ذلك فإن البحوث فائدتها إذا تم توصيف الأصل المشتقة منه العينات توصيفا دقيقا .

ت‌-      أثر إعادة الملاحظات :

توجد مشكلة منهجية ثالثة في البحوث الطولية تتمثل في الأثر المحتمل الذي تحدثه المشاركة المستمرة في سلوك المفحوص .فالممارسة المتكررة للاختبارات وزيادة الألفة بفريق البحث والتوحد بإحدى الجماعات لفترة طويلة نسبيا من الزمن هي جماعة البحث , وغير ذلك من ظروف البحث الطولي التتبعى ذاته ,قد تؤثر جميعا في أداء المفحوص في الإختبارات وفى اتجاهاته ودوافعه وفى توافقه الانفعالي , وغير ذلك من جوانب السلوك .

3)     طريقة التحليل التتابعى :

يبدو من مناقشتنا السابقة أنه حتى لو توافر لنا الوقت والإمكانيات لإستخدام الطريقة الطولية في بحوث المقارنة بين الأفكار فإن هذه الطريقة لا توفر لنا حلا كافيا لمشكلات البحث في هذا الميدان . ولهذا السبب اقترح بعض الباحثين نموذجا يجمع بين مزايا المنهج الطولي والمنهج المستعرض يمكن أن نسميه نموذج التحليل التتابعى .

وفيه استخدم المنهج المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة مع متابعات قصيرة الأمد . فمثلا قد نلاحظ الأفراد من سن 18 سنة , 20 سنة ونعيد اختبارهم ثلاث مرات خلال فترة زمنية طولها عامان .

ولمراجعة إمكانية المقارنة والاستقرار لمجموعتي العمر فإن ذلك يتم في ضوء أداء المجموعتين في سن العشرين , وكذلك في ضوء إتجاه المتغيرات في إعادة الاختبار داخل المجموعتين . فإذا أمكن أن تتم المقارنة فإن البيانات التي يحصل عليها الباحثون من المجموعتين خلال العامين يمكن معالجتها معا للكشف عن التغيرات بين عامي 18 ,20 عاما.

ويوجد تصميم تجريبي آخر فيه يتم الربط أيضاً بين الدراسة الطولية والمسح المستعرض لمجموعات عمرية مختلفة لعزل التغيرات التي ترجع إلى العمر عن تلك التي تعد من قبيل التغيرات الثقافية , فمثلا يمكن اختبار أفراد  من سن 20 عاما وسن 40 عاما في عام 1940 ثم اختبار عينات مشابهة في نفس الأعمار عام 1960 , وأي فروق في هذه الحالة بين الأفراد من سن 20 عام 1940 , 20 عاما في عام 1960 يمكن إرجاعها إلى التغير الثقافي , أما الفروق بين الأفراد من سن 20 عام , 40 عاما الذين اختبروا معا ( في عام 1940 أو عام 960 ) فقد تعكس فروقا في الأعمار  بالإضافة إلى الاختلافات الثقافية وخاصة الشروط التي تمت فيها تنشئة المجموعتين . واخيرا فإن المقارنة بين الأفراد من سن 20 عاما في عام 1940 ,والأفراد من بين 40 عاما في عام 1960 تدل على الآثار المتداخلة للعمر والتغيرات الثقافية التي حدثت في الفترة الوسيطة التي ربما قد تكون قد عدلت في سلوك المفحوصين بعد سن العشرين . ويجب أن نلاحظ هنا أنه حتى لو أمكن لعينة من سن 20 عاما في عام 1940 أن يعاد اختبارهم عام 1960 فإن التغيرات الثقافية الوسيطة لا يمكن عزلها عن التغيرات العمرية مالم تتوافر بيانات مقارنة من مجموعات من نفس العمر ثم اختبارها في هاتين المناسبتين أى عام 1940 , 1960 على التوالى .

وقد استطاع الباحثون أن يصلوا بهذا التعميم التجريبي إلى مستوى التعميم وأطلق عليه التعميم التتابعى Sequential Analysis Model  وفيه يستخدم أفراد من مختلف الأعمار يتم قياسهم في وقت واحد معا وعلى نحو متكرر في عدد من المرات المختلفة .وفى هذه الحالة يمكن أن تعتبر فروق العمر في أى مناسبة من مناسبات القياس تنتمي في جوهرها إلى البيانات التي نحصل عليها بالطريقة المستعرضة , والتغيرات أو أنماط الدرجات التي نحصل عليها مجموعة عمرية معينة في المناسبات المختلفة للقياس من نوع البيانات التي نحصل عليها بالطريقة الطولية .ويضاف إلى هذا نوع جديد من البيانات تمثله المجموعات ذات الأعمار المتساوية في المناسبات المختلفة للقياس .وكذلك لمعرفة لماذا كان لميلاد الفرد في وقت معين أو انتمائه لجيل بذاته له آثار فارقة .

ومن هذا التصميم يتضح أنه توجد ثلاث مجموعات عمرية من سن 35 عاما لأن الاختبار تكرر كل 10 سنوات , وتمثل هذه المجموعات الثلاث قطر الجدول , ولكل مجموعة منها عام ميلادي مختلف . ومن هذا الجدول يمكن أن يجمع جميع الأفراد من نفس العمر في أى وقت للاختبار بصرف النظر عن عام الميلاد , وفى هذه الحالة يمكن الحصول على بعض المعلومات عن آثار العمر مستقلة عن الفترة الزمنية التي يولد فيها  الإنسان . ثم إذا توبع نفس الأفراد في السنوات المتتابعة يكون من السهل الحصول على معلومات من التغيرات طويلة الأمد داخل الأفراد وخلال سنوات البحث المختلفة . وبإستخدام أسلوب إحصائي ملائم من نوع تحليل التباين يمكن الحصول على آثار مصادر التباين المختلفة في هذا التصميم التتابعى .

 

 

4)    بعض المشكلات العامة في المنهج المقارن :

نتناول في هذا القسم بعض المشكلات المنهجية العامة في بحوث الفروق بين الأعمار بصرف النظر عن طبيعة المنهج المستخدم .

أ‌-  منحنيات النمو :

تمثل منحنيات النمو بالنسبة إلى الخصائص السلوكية المختلفة أفضل صورة عامة وبسيطة للتغير في الخصائص مع العمر .ومع ذلك فإن هذه المنحنيات تتضمن خطين أساسيين اولهما أننا نستخدم الدرجات المركبة ( كنسب الذكاء) نفتقد الحقيقة التي تؤكد أن السمات السلوكية المختلفة التي تتألف منها هذه الدرجات تنمو بمعدلات مختلفة في الفرد الواحد .  وثانيهما أننا حين نستخدم متوسطات الأفراد المختلفين نفتقد معالم الفروق بين الأفراد في معدلات النمو في مستويات الأعمار المختلفة  سواء استخدمت درجات بسيطة أو مركبة..

ب-تكافؤ المجموعات :

قد يضطر الباحث في ميدان النمو إلى استخدام تصميمات تجريبية تتطلب المجموعات التجريبية والضابطة , وفى هذه الحالة نجد أن الوضع المثالي هو أن يقوم الباحث بالحصول على المجموعات المتكافئة من اصل إحصائي سكاني واحد . إلا أن الضرورات العملية تجبر الباحثين على القيام بهذا التكافؤ بعديا . فعند المقارنة بين المسنين الذين  يقيمون في دور الرعاية وأولئك الذين يستمرون في الإقامة مع أسرهم يجد الباحث  نفسه في موقف خلاصته أن يختار عينة الراشدين المقيمين في دور الرعاية أولا ثم بعد ذلك يحاول انتقاء  مجموعة ضابطة تتكافأ معها في الخصائص التي يجدها الباحث ضرورية .وفى هذه الحالة قد نجد مجموعتين متميزتين إذا قورنتا بالمجتمع الأصلي , فلا شك أن أولئك الذين يلتحقون بهذه الدور نتيجة لظروف اقتصادية – اجتماعية  ميسرة في بعض الحالات , أو نتيجة للعجز الكامل في البعض الآخر . وإنما يعكسون خصائص تميزهم اقتصاديا واجتماعيا عن الأصل الإحصائي السكاني العام ,والأخطر من هذا أن الباحث في محاولته جعل المجموعتين متكافئتين قد يغفل خاصية أو أكثر  , ويؤدى هذا إلى وجود فروق بين المجموعتين لايمكن ردها مباشرة إلى المتغير المستقل .

ج-  وحدات القياس :

حتى يمكن المقارنة بين الأعمار المختلفة لابد أن تتوافر في المقياس المستخدم خاصية تساوى الوحدات , وهذا يعنى أن أى زيادة في السمة في أحد الأعمار يجب أن تساوى نفس الزيادة فيها في المستويات العمرية الأخرى. الا انم أحدث أن معظم المقاييس المستخدمة لم تتوافر فيها هذه الخاصية واشهرها معيار العمر العقلي . ففي هذا المعيار نجد أن الكسب الذي يبلغ مقداره عاما واحدا في سن الخامسة عشرة ليس مساويا لنفس  الكسب ( البالغ عاما واحدا ) في سن الخامسة .وكذلك لا تعطينا الدرجات الخام التي نحصل عليها من الإختبارات النفسية إلا أرقاما وهى في هذا لا تفيد في إعطائنا حكما على ما إذا كانت زيادة مفردة صحيحة في الاختبار وعند مستوى 75 يساوى نفس الزيادة لمفردة واحدة صحيحة عند مستوى 50 وتوجد مقترحات عديدة للتغلب على هذه المشكلة تتمثل في تحويل درجات المقياس للحصول على المسافات المتساوية ومن أشهر هذه الحلول ما قدمه ترستون فيما يسميه " القياس المطلق" Absolute Scaling والذي يعتمد أساسا على وحدات الانحراف المعياري أو أجزائه في البعد عن المتوسط .

د)   بنية المقاييس :

تستحيل المقارنة بين الأعمار المختلفة إذا كان ما تقيسه الإختبارات المستخدمة يختلف من عمر لآخر . ولذلك فمن شروط هذه المقارنة أن تكون هذه الإختبارات متكافئة من حيث البنية العاملية .

ولا تتحدد هذه البنية إلا بإستخدام منهج التحليل العاملي على نتائج القياس في مراحل العمر المختلفة وهذا المطلب يصفه " جويلفورد" .

ومع هذا لم يتوافر في جميع بحوث المقارنة بين الأعمار . وعدم توافره يمثل نقصا شديد في بحوث هذا الميدان , فالاختبار الواحد قد لا يقيس نفس العامل أو العوامل في الأعمار المختلفة , وبهذا تصبح المقارنة شبه مستحيلة .

 

  

الفصل الخامس

معايير ومهام النمو

مع ظهور علم نفس النمو في أواخر القرن التاسع عشر كان إهتمام العلماء موجها لموضوعين أساسيين تمثلا فيما يلي:-

1- معايير النمو :

ويتلخص هذا الإتجاه في قياس وملاحظة مجموعات من الأطفالتم تلخيص النتائج على هيئة "مستويات" عمرية مختلفة في صورة متوسطات .وهذا النوع من البحوث تناول مجموعة واسعة من خصائص تشمل الطول والوزن والقدرات الجسمية والحركية والإدراكية والعقلية ,وتتناول عادات الطفل اليومية كالنوم والطعام والاخراج والانفعالات كالخوف والغضب وعلاقاته الإجتماعية . وعلى الرغم من أن هذه البحوث سميت في المؤلفات التقليدية لعلم النفس بالبحوث المعيارية إلا انها في جوهرها بحوث وصفيه لانها لم تتجاوز وصف المستوى (العادى) أو (المتوسط) لسلوك الأطفال في الخصائص موضع البحث وعادة ما نسمى النتائج التي تلخصها هذه البحوث معايير العمر Age Norms  .

ويعد العالم الامريكي أرنولد جيزل Gesell (1880 -1961 )  أكبر ممثلي هذا الإتجاه , ويعود الفضل  إلى عالم النفس الفرنسي الفريد بينيه الذي توصل إلى معيار العمر العقلي في بحوثه عن قياس الذكاء , إلا أن جيزل وسع   إطار المفهوم واستخدمه وطبقه على عدد كبير من المظاهر النفسية .  

ولإجراء بحوثه العديدة ابتكر جيزل وزملاؤه مجموعة من الإختبارات ووسع القياس وأساليب الملاحظة التي تعين على وصف الطفل بدقة , في مدى واسع من مجالات النمو , وجمع فريق البحث معلومات كثيرة عن الأطفال الذين تمت دراستهم في العيادة النفسية التي أنشأها في كلية الطب جامعة ييل والتي تحولت إلى معمل نفسي هدفه دراسة نمو الطفل من جميع الجوانب .كما قام فريق البحث بإجراء مقابلات مع الآباء  والأمهات لمعرفة سلوك الطفل في المنزل وقد أفادت هذه المعلومات في وصف خط أو منحنى النمو الذي يسير فيه الطفل النامي في كل مرحلة عمرية .

 وقد اعتبر جيزل أن النضج هو أهم العوامل في نمو الطفل فقد كان يعتقد أن التغيرات في بنية الطفل وسلوكه ترجع إلى العوامل الوراثية , أما البيئة الإجتماعية فإن آثارها محدودة للغاية .ولعل هذا الاعتقاد هو الذي جعله يرى أن المهمة الكبرى في مجال دراسة النمو هي وضع جداول محددة للخصائص الجسمية والعقلية والإنفعالية  والإجتماعية في كل مستوى عمري على نحو أشبه " بالدليل" الذي يشمل الخصائص المتوسطة والعادية . ويرى أن هذه الجداول تزود المربين والوالدين وأطباء الأطفال وغيرهم من المهتمين بشئون الطفل بالمظاهر التي يتوقع لها الظهور في كل مرحلة عمرية .وقد وضع جيزل فكرة "دورات السلوك" حيث يحدث النمو في دورات من القوة والضعف , وهذه الدورات موحدة عند الجميع . وتوصف الدورة بأنها جيدة إذا اظهر فيها الطفل تكيفا طيبا مع ذاته ومع الآخرين  .أما الدورة الضعيفة فهي التي تسود فيها الصراعات بين الطفل وبيئته الإجتماعية والمادية , ويشعر فيها بعدم التوافق مع نفسه .ويرى أن تناوب هذه الدورات أمر حتمي وتحكمه مبادئ النضج وحدها . وتتلخص هذه الدورات في الجدول التالي :-

 

الحكم على عمر الطفل

سنوات عمر الطفل

الدورة الثالثة

الدورة الثانية

الدورة الأولى

جيد

سيئ

جيد

سيئ

جيد

سيئ

جيد

 

10   سنوات

11   سنة

12   سنة

13   سنة

14   سنة

15   سنة

16   سنة

        5     سنوات

5.5 -6      سنوات

    6.5       سنوات

       7      سنوات

       8      سنوات

       9      سنوات

     10      سنوات

 

    2    (سنتان )

 2.5      سنة

    3    سنوات

 3.5     سنوات

    4    سنوات

 4.5    سنوات

    5   سنوات

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وتركزت اهتمامات جيزل وتلاميذه على عشر فئات كبرى من سلوك  الإنسان تنقسم كل منها إلى عدة أقسام فرعية , وهذه الفئات هي :

1.          خصائص الحركة .

2.          الصحة الشخصية.

3.          التعبير الانفعالي .

4.          المخاوف والأحلام.

5.          الذات والجنس .

6.          العلاقات الشخصية.

7.          اللعب ووقت الفراغ .

8.          الخبرة المدرسية.

9.          الأخلاق .

10 . النظرة الفلسفية .

2-  مهام النمو :-

ظهرت مهام النموDEVELOPMENTAL TASKS كمفهوم وصفى لنمو  الإنسان خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ,وهو المفهوم الذي شاع في الكتابات المختلفة باسم " مطالب النمو" .

ويشبه إتجاه مهام النمو , إتجاه معايير النمو في أنه يسعى إلى تحديد الخطوات " النموذجية" للنمو في فترات العمر المختلفة في كثير من الجوانب الجسمية والعقلية والإجتماعية والإنفعالية  , مع الفارق الذي يتمثل في عدم إستخدام وسائل القياس والاختبارات والملاحظة للأطفال موضع الدراسة , وإنما اعتمدوا في وصف مراحل النمو على بيانات اشتقت من مصادر مختلفة بعضها امبريقى يشبه ما توفر لجيزل , معظمها مشتق من نتائج البحوث الانثروبولوجية والإجتماعية , ومن ملاحظات المعلمين للأطفال في المدرسة , ومن عناصر التراث العام والتراث الشعبي الثقافي عن تنشئة الطفل .

وهناك إختلاف  آخر بين مفهوم النمو ومعايير النمو يتمثل في أن جيزل كان مهتما بوصف ما يكون عليه الأطفال في المستويات العمرية المختلفة .بينما اهتم أصحاب  إتجاه مهام النمو بمعرفة ما يحاول الأطفال إنجازه خلال كل مرحلة من مراحل العمر المتتابعة .وقد ابتكر المصطلح ليعكس اعتقاد أصحاب  هذا الإتجاه , فعندهم يتمثل النمو فى بحث الطفل عن المهام التي عليه أن ينجزها في كل مرحلة جديدة من العمر . وهذه المهام عبارة عن المهارات وأنماط السلوك التي تحددها الثقافة التي يعيش فيها الطفل والتي يتوقع القيام بها في كل مرحلة من عمره وعليه أن يكتسبها حتى يتحقق له التوافق الشخصي والإجتماعى  فيها ,كما يتحقق له الانتقال إلى مهام جديدة في مرحلة نمو تالية   . ويؤدى الفشل في إنجاز هذه المهام إلى سوء التوافق من ناحية والى الصعوبة في التعامل مع المهام التالية  من ناحية أخرى .

فهناك مهام تنشأ عن النضج الجسمي مثل المشى , وبعضها الآخر  ينشأ عن الضغوط الثقافية مثل تعلم القراءة ,وينشأ بعضها عن الميول والاتجاهات والقيم والطموحات والتطلعات الشخصية للفرد مثل اختيار مهنة معينة والإعداد لها . وفى معظم الحالات تنشأ مهام النمو عن هذه المصادر الثلاثة جميعا .

ويوصف العمر الذي تحدده ثقافة المجتمع وتتوقع فيه أن يتقن المرء مهاما معينة بأنه "عمر حرج" CRITICAL AGE  وحيث أن معظم مهام النمو "ثقافية" في طبيعتها فإننا نتوقع لها أن تتغير تبعا لتغير القيم الثقافية السائدة فى المجتمع , فبعض المهام النمائية التي تسود في المجتمع في عصر معين , قد يتجاوزها عصر جديد وتحل محلها مهام جديدة , أو قد تتغير أهميتها النسبية .

وتتمثل مهام النمو فيما يلي :-

1- مهام النمو في مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة (من الميلاد حتى سن 5 سنوات ) :

‌أ-         تعلم المشى .

‌ب-      تعلم تناول الأطعمة الصلبة .

‌ج-       تعلم الكلام .

‌د-        تعلم التحكم في الإخراج والنظافة .

‌ه-        تعلم الفروق بين الجنسين .

‌و-        إحراز الاستقرار الفسيولوجي .

‌ز-      تكوين مفاهيم بسيطة عن العالم الإجتماعى والطبيعي .

‌ح-      تعلم الارتباط العاطفي بالوالدين والاخوة وغيرهم .

‌ط-      تعلم التمييز بين الصواب والخطأ وتنمية الضمير .

2-   مهام النمو في مرحلة الطفولة المتأخرة (من 6-12) :

‌أ-        تعلم المهارات الجسمية اللازمة للألعاب العادية .

‌ب-     تكوين إتجاهات إيجابية نحو الذات .

‌ج-      تعلم الانسجام والتوافق في التعامل مع الآخرين من الأقران والزملاء .

‌د-       تعلم اختيار الدور المناسب لجنس الطفل .

‌ه-       تنمية المهارات الأساسية من قراءة وكتابة وحساب .

‌و-       تنمية المفاهيم الضرورية اللازمة للحياة اليومية .

‌ز-      تنمية الضمير والنظام الأخلاقي والقيمى .

‌ح-      تنمية الاتجاهات الايجابية نحو المجتمع ومؤسساته المختلفة .

3-   مهام النمو في مرحلة المراهقة (من 13- 17 سنة ) :-

‌أ-          تقبل المراهق لجسمه وتقبل أدوار الذكورة أو الأنوثة .

‌ب-      تكوين علاقات جديدة مع الأقران من الجنسين .

‌ج-       الاستقلال الانفعالي عن الأبوين وغيرهم من الكبار .

‌د-        قوة الثقة في الوصول إلى الاستقلال الاقتصادي .

‌ه-        انتقاء مهنة والإعداد لها .

‌و-        تنمية المهارات والمفاهيم العقلية اللازمة للمواطنة .

‌ز-       الرغبة في اكتساب السلوك الإجتماعى المرغوب والعمل على ذلك .

‌ح-       الإعداد للزواج والحياة الأسرية .

‌ط-       تكوين قيم مجتمعية ثقافية تتناسب مع الإتجاه العلمي الصحيح .

4-   مهام النمو في مرحلة الرشد المبكر (من 18-30 سنة) :-

‌أ-   اختيار الزوجة ( أو الزوج).

‌ب- تعلم الحياة مع شريك / شريكة الحياة الزوجية.

‌ج-  بدء حياة الأسرة.

‌د-   رعاية الأطفال وتربيتهم.

‌ه-   إدارة المنزل .

‌و-   بدء الحياة المهنية في عمل معين .

‌ز-  المشاركة في مسئوليات المواطنة .

‌ح-  البحث عن جماعة اجتماعية ملائمة ينتمي إليها .

5 -  مهام النمو في مرحلة وسط العمر (من 31-54 سنة):-

‌أ-         إحراز المسئولية الإجتماعية وواجبات المواطنة اللازمة للراشد .

‌ب-      إحراز مستوى ملائم للمعيشة والمحافظة عليه.

‌ج-       معاونة الأبناء في مطلع الشباب ليصبحوا راشدين ومسئولين .

‌د-        ممارسة أنشطة وقت الفراغ الملائمة للراشدين .

‌ه-        تقبل التغيرات الفسيولوجية التي تحدث في مرحلة العمر والتكيف معها .

‌و-        التكيف مع الوالدين من المسنين .

 

6-   مهام النمو في مرحلة النضج المتأخر (من 55  سنة وما بعدها ) :-

‌أ-        التكيف مع التدهور في القوة الجسمية والصحة العامة .

‌ب-     التكيف للتقاعد عن العمل ونقصان الدخل .

‌ج-      التكيف لوفاة شريك / شريكة الحياة الزوجية .

‌د-       الانتساب لجماعة من نفس العمر .

‌ه-       القيام بواجبات المواطنة والمسئوليات الإجتماعية .

‌و-       إعادة تنظيم ظروف الحياة حتى تكون أكثر  ملائمة .

مهام المدى القصير ومهام المدى الطويل :-

النوع الأول هو تلك المهام التي تنشأ في وقت معين ولا تتجاوزه , أما النوع الثاني فهو تلك المهام التي تعد مستمرة والتي تحتاج من  الإنسان مدة سنوات لإنجازها .ومن أمثلة النوع الأول تعلم المشى والكلام والإخراج واختيار الدراسة أو المهنة . ومن أمثلة النوع الثاني تعلم المواطنة والمسئوليات الإجتماعية وتعلم الدور الملائم للجنس . والنوع الأخير يتألف من مراحل متنوعة تتم في أوقات مختلفة من نمو الطفل والمراهق والراشد .

 -

 



الدورات التدريبية المتاحة:
علم النفس الارشلدى والعلاج النفسى ج1
للتفاصيل  

 

حقوق الطبع والنشر © محفوظة لصالح الجمعية المصرية للتنمية الانسانية
Powered by TIT Solutions